رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الإنتاجية أهم أدوات المنافسة

تعد اقتصاديات المنافسة الجديدة أن الإنتاجية أهم من المدخلات والحجم، حيث تتلاشى أهميتهما مع تردي الإنتاجية. وقد تردت صناعة السيارات الأمريكية مع توافر كل عوامل النجاح من وجود تقنية ورأسمال وأسواق ضخمة، ويرجع ذلك إلى الشروط المجحفة التي أجبرت الشركات على قبولها من قبل الاتحادات العمالية القوية للسيارات التي خفضت كفاءة العمالة المنتجة بسبب تهديداتها الدائمة بالإضراب وقصر نظرة قادتها في تبني السياسات التي تعظم العوائد للعمالة على الأمد الطويل.
وقد شوه اعتبار أن التقنية العالية تقتصر فقط على مجالات معينة مثل تقنية المعلومات أو تقنية الفضاء أو الهندسة الجينية أو الصناعات الهندسية فكرة المنافسة. وأدى هذا التشويه إلى الاعتقاد أن عددا محدودا من الشركات قادرة على المنافسة فيما يتصوره البعض أنه مجالات متقدمة. والحقيقة في هذا المجال أنه لا توجد صناعات متخلفة تقنياً، فصناعة الملابس أو الصناعات الزراعية أو الزراعة في حد ذاتها ليس متخلفة تقنياً بل هي صناعات وقطاعات يمكن أن تكون متقدمة أو متخلفة حسب المنتجين الموجودين في نطاق جغرافي معين. فالحقيقة أن التقدم والتخلف التقني هو من نصيب الشركات المنتجة وليس القطاعات الإنتاجية. والشركات المتخلفة هي التي عجزت عن استخدام أحدث التقنيات والممارسات في تعزيز الإنتاجية والابتكار. ويعود عجز الشركات إلى أسباب ذاتية أو خارجة عن إرادتها. فسوء الإدارة سبب جوهري من الأسباب التي تقف حول عجز الشركات عن المنافسة. وقد لا تتوافر موارد مالية أو أسواق ائتمان أو أسواق مالية توفر السيولة للشركات لتطوير ذاتها، حيث تحتاج تلك الشركات إلى الموارد لتطوير التقنية أو تملكها. وتسعى الدول لتوفير مثل تلك الأدوات لضمان حصول المنتجين على التمويل اللازم للحصول على التقنية وتطويرها ورفع الإنتاجية. وقد لا تتوافر العمالة المدربة الكفؤة في الأسواق المنتجة، ولهذا تسعى الحكومات إلى دعم التدريب لرفع المهارات العمالية وجعلها قادرة على التعامل مع التقنيات المتقدمة مما يرفع مستويات المنافسة لدى الشركات المنتجة. فتحميل الشركات تكاليف التدريب قد يرفع من تكاليف التطوير التقني ولهذا تتحمل الجهات الحكومية معظم تكاليف التدريب أو جزءا كبيرا منه. وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال تخلي الشركات عن التدريب كلياً، حيث إن تدريب القوى العاملة في المنشأة المؤهلة على الأساليب الجديدة في الإنتاج قد يكون أقل تكلفةً على الشركات من توظيف أيد عاملة مؤهلة جديدة. وتدريب القوى العاملة لدى الشركة يولد نوعا من أنواع الولاء للشركات ويساعدها على الاحتفاظ بالعمالة المدربة ويعزز إنتاجيتها ويرفع أرباحها على الأمد الطويل. وقد تواجه الشركات بعض الشروط المجحفة التي تجعلها غير قادرة على المنافسة التي منها وجود نقابات عمالية غير واعية أو وجود أنظمة توظيف رسمية مجحفة بحق الشركات تجبرها على الاستمرار في توظيف العمالة غير الكفؤة.
وينبغي على الشركات أن تولي اهتماما كبيراً لما يجري في محيطها وتعزز التكامل مع مزودي المدخلات والمستهلكين بدلاً من التزكيز على ما يجري داخلها فقط. فهناك منافسة محيطة خارج الشركة ولكن توجد أيضاً شركات مكملة ومتممة للعمليات الإنتاجية. وهذا قد يفسر نشر الشركات القوية فروعها الإنتاجية في أماكن متعددة ووجود مقارها الرئيسة في أرقى المجمعات الصناعية أو الاقتصادية لمواصلة الأبحاث والابتكار. فوجودها في تلك المجمعات يجعلها قريبةً من المنافسين ولكنها أيضاً قريبة من المكملين لعمالياتها الإنتاجية وعمليات الأبحاث والابتكار.
إن تحسن الإنتاجية يسهم بقوة في رفع رفاهية الشعوب والأفراد وليس الصادرات أو الموارد الطبيعية. فأغنى دول العالم بالنسبة لدخل الأفراد هي أكثرها إنتاجية (توجد دول صغيرة عالية الدخل من الموارد الطبيعية ولكن عدد سكانها قليل وارتفاع الدخل في هذه الدول ليس عائداً للإنتاجية ولكنه عائد لاستنزاف الموارد الطبيعة). لهذا فإن على الحكومات أن تسعى إلى تحسين الإنتاجية وإزالة المعوقات التي تحد من نموها. وأهم وسائل رفع الإنتاجية هو التعليم والتدريب وتشجيع البحث والابتكار وحماية حقوق الاختراع والتأليف وتوفير العدالة الاجتماعية وتوفير الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي والعدالة التشريعية وبناء البنية الأساسية المناسبة، التي منها بناء المجمعات الاقتصادية الصناعية والتجارية. وختاما فإن السياسات الكلية الاقتصادية السليمة مهمة وأساسية ومطلوبة لرفع الإنتاجية، ولكنها ليست كافية لتحقيق النمو، فالأسس الجزئية للمنافسة هي الأساس في تحسين الإنتاجية ورفع معدلات النمو. وأثبتت تجارب الدول أن المنافسة القوية تدعم بقوة تطور الإنتاجية في المناطق المتوافرة فيها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي