دول الخليج: تعليق اتفاقية التجارة مع أوروبا في حال عدم إبرامها عاجلا
زادت دول مجلس التعاون الخليجي من وتيرة تهديداتها بوقف مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي والتي امتدت لأكثر من 22 عاما دون إبرامها. وفي حين ألمح الشيخ حمد بن جاسم رئيس وزراء قطر الذي ترأس بلاده حاليا دورة مجلس التعاون أمس الأول إلى إمكانية إعلان دول المجلس إيقاف هذه المفاوضات، أكد الدكتور عبد العزيز حمد العويشق الوزير المفوض في الأمانة العامة لمجلس التعاون ومدير إدارة التكامل الاقتصادي والدراسات أمس أن هناك نية لتعليق مفاوضات اتفاقية التبادل التجاري الحر بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي في حال عدم التوصل إلى اتفاق قبل انتهاء مدة الرئاسة الفرنسية للاتحاد والمقررة في نهاية العام.
وأشار العويشق إلى أن هذه المفاوضات أخذت أكثر من وقتها مبرزا في ذات الوقت أهمية الشراكة مع الاتحاد الذي يعتبر الشريك التجاري الأول بنحو 120 مليار دولار وفق إحصائيات عام 2007. وتحمل دول المجلس الجانب الأوروبي مسؤولية تعطيل المفاوضات حيث يصر على إضافة جوانب سياسية ليست لها علاقة بالاتفاقية التجارية.
وقال العويشق في تصريحات في الدوحة، إن المفاوضات بين دول التعاون والاتحاد الأوروبي حول التجارة الحرة وصلت إلى طريق شبه مسدود منذ فترة وبناء عليه كانت هناك قضايا قليلة عالقة لكن لم يكن هناك اتفاق عليها، فتدخلت الرئاسة الفرنسية وبعث ساركوزي خطابا إلى دول مجلس التعاون يعرض فيه رغبة فرنسا وعزمها استكمال المفاوضات لتوقيع الاتفاقية قبل نهاية الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي وعلى هذا الأساس عقدت عدة اجتماعات في الرياض، باريس، مسقط، والدوحة.. قادها عبد الرحمن بن حمد العطية الأمين العام لمجلس التعاون في محاولة للتقريب في وجهات النظر والتنسيق، فقام بزيارة إلى فرنسا، ثم عقد اجتماعا للفريق التفاوضي كما قابل وزيرة التجارة الخارجية الفرنسية في الدوحة في تشرين الأول (أكتوبر)، ومن منطلق الرغبة الفرنسية وهي رغبة جادة، عقد الاجتماع التفاوضي لدول مجلس التعاون في الرياض بـ 9 تشرين الثاني (نوفمبر) ووضعوا المواقف النهائية لدول المجلس على جميع القضايا العالقة، وقدمت دول المجلس تنازلات كبيرة في سبيل التوصل إلى اتفاق.
وحول الدور الذي لعبته الرئاسة الفرنسية في دعم عملية التفاوض بين الجانبين، ذكر العويشق أن الرئاسة الفرنسية دعمت مسار التفاوض من خلال عقد اجتماع بدعوة منها لجميع ممثلي الدول الأعضاء في الاتحاد وفي المفوضية الأوروبية، وكان هناك تقبل وترحيب بمواقف دول المجلس ورغبة في إنهاء المفاوضات، لكن المفوضية الأوروبية كان لها موقف مختلف ومع ذلك أرسل وفد إلى الدوحة وقبله كان هناك وفد من الرئاسة الفرنسية جاء إلى مسقط الأسبوع الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) وتم شبه اتفاق على جميع القضايا العالقة، لكن المفوضية الأوروبية لم توافق عليها وتمسكت بآراء متشددة فيما يتعلق برسوم الصادرات، وربط النواحي السياسية بالنواحي الاقتصادية، وهذا كان فحوى الجولة التفاوضية التي عقدت في الدوحة يومي 28 و29 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي وكان هناك أمل حتى هذه اللحظة لدى مجلس التعاون للتوصل إلى أرضية تفاهم مشتركة حيث توقعاتنا، بناء على اجتماع مسقط مع الرئاسة الفرنسية أن يكون هناك قبول لمواقف دول مجلس التعاون، لكننا فوجئنا أن المفوضية الأوروبية لم توافق لا على النصوص المتعلقة بالربط بين السياسة وحقوق الإنسان والاتفاق التجاري ولا على رسوم الصادرات، لكن الجانب الأوروبي وعد أنه سيسعى وسيوفر في صياغات قد تكون مدخلا للاستجابة لبعض مطالب دول مجلس التعاون وسيوافوننا بها قريبا.
وحول الخيارات المطروحة في ظل هذا الوضع، قال الوزير المفوض في الأمانة العامة لمجلس التعاون، لدينا خياران إما تعليق المفاوضات وإما الانتظار إلى غاية نهاية الرئاسة الفرنسية باعتبار أن ذلك كان طلبنا من الرئيس الفرنسي، ويكون هناك تعليق للمفاوضات إذا لم يكن هناك تقدم. ليست هناك رغبة في الاستمرار في المفاوضات إذا كانت ستستمر إلى أمد غير محدد وليست هناك مرونة من جانب الاتحاد الأوروبي. وأعطيناهم موقفنا النهائي من المفاوضات.
وفيما يتعلق بالخطوط الحمراء التي لا يمكن لدول الخليج تجاوزها في شكل تنازلات قال المسؤول الخليجي، يجب عدم الربط بين القضايا السياسية والقضايا التجارية، وهذا واضح للاتحاد الأوروبي، فجميع دول مجلس التعاون أعضاء في الأمم المتحدة ووقعت على معظم اتفاقيات حقوق الإنسان، وجميع هذه الاتفاقيات سواء ميثاق أمم المتحدة أو اتفاقية حقوق الإنسان لها آليات متابعة والتنفيذ وليس هناك داع إلى أن تقحم في اتفاقية تجارية ويكون لأي من الطرفين تدخل في هذه الأمور خارج نطاق الأدوات الدولية التي تنظم متابعة هذه المواضيع..هناك اتفاقيات لحقوق الإنسان لها آلياتها ومجالاتها على غرار مجلس ولجنة حقوق الإنسان والأمم المتحدة وهناك آليات واضحة ومقننة للبت في تفاصيلها، وإقحام ذلك في اتفاقية تجارية شيء غير مفهوم كما أنه ليس هذا مكانه..
وأضاف العويشق أنه قدمت صياغة بهذا الموقف يعبر فيها الطرفان عن إيمانهما والتزامهما بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية، لكن ليس إلى درجة الربط بين الموضوعين السياسي والتجاري، أما موضوع الصادرات فدول مجلس التعاون تعتقد أن اتفاقية التجارة العالمية تعطيها الحق في فرض قيود على الصادرات بضوابط معينة تحددها اتفاقية الغات، وهي ملتزمة بها في حين يرغب الاتحاد الأوروبي في وضع نص في الاتفاقية يضع قيودا جديدة على ممارسة هذا الحق، بألا يتجاوز عددا معينا من السنوات بعد توقيع الاتفاقية ينتهي بعدها هذا الحق.. وفي الوقت نفسه ألا تتجاوز السلعة التي يفرض عليها رسوم نسبة معينة من الصادرات، والموقف الأوروبي حيال هذا هو موقف متشدد ولم يقدم أي تنازلات.
وقال العويشق دول مجلس التعاون وقعت عديد من الاتفاقيات مع سنغافورة بالأحرف الأولى ومع منظمة التجارة الحرة الأوروبية وتضم الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (سويسرا، النرويج وأيسلندا)، وفي طريقها إلى توقيع اتفاقيات أخرى، ونحن نرغب في توقيع الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي لكن ليس بأي ثمن، وهذا هو الموقف النهائي حيال هذه المواضيع وإذا لم يقبل بها الاتحاد الأوروبي فستعلق المفاوضات حتى يغيروا رأيهم.
وتطرق العويشق إلى المفاوضات التجارية مع الجانب الأمريكي، وقال إنها توقفت الآن ولا نعرف حتى الآن توجهات الرئاسة الجديدة، وهناك تنافس شديد بين أمريكا والاتحاد الأوروبي في كل مكان، والمؤكد أن كل طرف سيسعى إلى إقناع الشركاء التجاريين بأن أسلوبه هو الأصح، وحتى الآن ليس هناك شيء معروض من قبل أمريكا على دول الخليج.
وردا على سؤال عما يمكن أن تخسره دول الخليج في حال عدم التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، قال المسؤول الخليجي: في أي اتفاقية لابد أن يكون الطرفان كلاهما مستفيدين، والسوق الأوروبية ضخمة جدا سواء للبترول أوالمشتقات البترولية أو الألمنيوم أوغيرها.. والصناعات البتروكيماوية الخليجية تنافسية تماما، فهي مصانع حديثة وقريبة من مصادر الطاقة، وتكلفة الإنتاج أقل ومن ثم ستكون أكثر تنافسية في السوق الأوروبية، والاتفاقية ستفتح هذا المجال وهذا من مصلحتنا وفي الوقت الحاضر ليس مفتوحا.. وبالمناسبة فقد حضرت اجتماعات كان فيها ممثلون عن الصناعات البتروكيماوية الأوروبية كانوا يحتجون بقوة على الاتفاقية، هناك مصالح لا ترغب في توقيع الاتفاقية، في المقابل سيستفيد الأوروبيون من الاتفاقية، فمقدمو الخدمات الأوروبيون بلا شك في وضع تنافسي أفضل منا، ويستطيعون الدخول والتغلغل في السوق الخليجية بسرعة أكبر من قدرتهم على الدخول إلى أسواقهم.
وشدد العويشق على أن الاتحاد الأوروبي يعتبر الشريك التجاري الأول لدول الخليج بمعنى أنه أهم وجهة لصادراتنا ووارداتنا وفي المقابل نحن نشكل خامس سوق للاتحاد أيضا، ونحن نتحدث عن شراكة كبيرة جدا وطبيعي أن تكون هناك مصالح في توقيع الاتفاقية في السلع وفتح الأسواق للطرفين، وأشير في هذا الصدد إلى أن البترول غير داخل في الاتفاقية، والمشتقات البترولية كان بشأنها مفاوضات طويلة وأحد الأسباب أن المصانع الأوروبية قديمة وغير تنافسية، فيما الصناعات البتروكيماوية في مجلس التعاون حديثة وتنافسية ونعتقد أنه سيكون لها دور كبير في دفع المبادلات بين دول التعاون ودول الاتحاد الأوروبي.
وأكد العويشق أن الاستمرار الطويل في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي أو تعليقها سيؤدي إلى الانصراف إلى المفاوضات على مستوى المسارات الأخرى مثل الصين وأستراليا واليابان ونيوزيلندا وتركيا.