انفراط عقد الاقتصاد العالمي بدأ من المركز المالي الأمريكي
ليس ثمة شك في أن عام 2008 يمثل عاما تود معظم اقتصاديات العالم أن تجعله في طي النسيان. وتأتي في صدارة هذه الاقتصاديات الولايات المتحدة التي تعاني حاليا أسوأ أزماتها المالية التي تفجرت منذ الكساد الاقتصادي العظيم والركود الاقتصادي الذي تشهده البلاد منذ عام.
المتاعب التي تواجه أكبر اقتصاد في العالم طالت أيضا بقية الدول في أصقاع الأرض، في وقت يتوقع فيه صندوق النقد والبنك الدوليان ركودا في الاقتصاد العالمي في عام 2009.
والحقيقة أن ما بدا كانكماش في سوق الائتمان العقاري في الولايات المتحدة قد جرّ معه تقريبا النظام المالي الأمريكي برمته. فقد قامت البنوك بتخفيض واستقطاع ما قيمته أكثر من 500 مليار دولار من أصولها المرتبطة بالرهونات العقارية خلال عام. كما تم بيع بنك بير ستيرنز للاستثمار بينما قدمت الحكومة مساعدة إلى بنك مورجان تشيز في آذار(مارس)، بيد أن الأزمة المالية سلكت نهجا دراميا إلى الأسوأ في أيلول (سبتمبر). كما أن إفلاس بنك ليمان براذرز هولدينجز، وهي أكبر عملية إفلاس في التاريخ الأمريكي، قد شجع المؤسسات المالية الأخرى على المحافظة على احتياطياتها النقدية والتوقف عن الإقراض، سواء فيما بينها أو للعملاء. وأدى إحجام البنوك عن منح القروض إلى كبح الإنفاق في الاقتصاد الأمريكي الأوسع، ما تسبب في مزيد من حالات الإفلاس، من بينها إفلاس سلسلة متاجر الأجهزة الإلكترونية العملاقة "سيركيوت سيتي" ناهيك عن الانهيار الذي يلوح في الأفق لصناعة السيارات في البلاد.
وعلى الجانب الآخر، شهدت الأسهم الأمريكية تراجعات حادة بلغت نحو 40 في المائة في عام 2008، الأمر الذي أدى إلى تدمير عديد من حسابات التقاعد. أما الخسائر في الوظائف على مدار العام فمن المحتمل أنها وصلت إلى ما يربو على المليونين، حسبما أفادت أرقام حكومية.
وأثارت الأزمة موجة من الإدانة الواسعة لبورصة وول ستريت، وللنظام الرأسمالي بدرجة أكبر، بسبب الإقدام على مخاطر غير ضرورية بينما امتدت آثار الأزمة المالية إلى بقية دول العالم. فقد عانت البنوك في أوروبا خسائر ناجمة عن تورطها في سوق الرهن العقاري الأمريكي. كما عانت الدول النامية تلاشي الطلب على صادراتها فضلا عن خسارتها للاستثمارات الأجنبية من الولايات المتحدة والدول الغنية الأخرى. كل هذه التركة الثقيلة بانتظار الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما، الذي لعبت الأزمة الاقتصادية الراهنة دورا رئيسيا في انتخابه في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي لأن الناخبين أعلنوا رفضهم للسياسات الاقتصادية للمعسكر الجمهوري بقيادة الرئيس جورج بوش. ويتطلع العالم إلى أوباما على أمل أن يقوده إلى إحياء الاقتصاد الراكد. فقد وعد أوباما بتوفير 2.5 مليون وظيفة وإدخال برنامج فوري للتحفيز المالي من أجل زيادة الطلب الأمريكي، بحيث يصل إلى تريليون دولار وفقا لبعض التقديرات، وذلك عندما يتسلم السلطة من الرئيس الحالي بوش في العشرين من كانون الثاني (يناير).
ومن أجل قيادة وزارة الخزانة، اختار أوباما تيموثي جايتنر رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وزيرا لها ولا سيما أنه يتمتع بسجل حافل في الخدمة المدنية ويشارك بشكل فاعل في جهود الإنقاذ الأمريكية حتى الآن. بيد أن معظم الاقتصاديين يتوقعون استمرار الركود حتى عام 2009 بغض النظر عن الإجراءات التي يتخذها أوباما. فقد حذر جوستين لين كبير الاقتصاديين في البنك الدولي في كانون الأول (ديسمبر) الجاري من أسوأ انكماش اقتصادي منذ الكساد العظيم إبان الثلاثينيات. وإضافة إلى إنعاش الاقتصاد الأمريكي، فسوف تتولى إدارة أوباما مهمة قيادة عملية إصلاح عالمية للنظم والقوانين الخاصة بالنظام المالي العالمي.
والواقع أن تلك المهمة بدأت مع انعقاد قمة العشرين الاقتصادية في واشنطن في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. ففي هذه القمة، وعدت الحكومات بسد جميع الثغرات القائمة وتحسين آلية الإنذار المبكر للحيلولة دون حدوث كارثة مالية أخرى قد تضرب الاقتصاد العالمي مجددا. ومن المقرر أن تعقب قمة واشنطن قمة متابعة أخرى يتوقع أن تعقد في وقت ما من نيسان (ابريل) المقبل. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن الأزمة المالية شجعت على إعادة التفكير في الكيفية التي كانت تدير بها دولة لطالما تفاخرت بنظامها الرأسمالي شؤونها الاقتصادية. واضطرت إدارة بوش الجمهورية إلى اتخاذ إجراءات فاعلة لتأميم سلسلة من الشركات الكبرى، من بينها "أمريكان إنترناشيونال جروب" (أيه آي جي) وهي أكبر شركة تأمين في العالم، وأيضا "فاني ماي" و"فريدي ماك" وهما من شركات الرهن العقاري العملاقة. أضف إلى ذلك أن خطة الإنقاذ المالي التي تتكلف 700 مليار دولار، والتي تمت الموافقة عليها في تشرين أول (أكتوبر) الماضي، سمحت لوزارة الخزانة الأمريكية بشراء حصص من الأسهم الخاصة في العشرات من البنوك مقابل حصولها على الأموال الحكومية اللازمة.
بيد أنه كانت هنالك حدود لهذا كله: فقد رفض الكونجرس أن يخطو خطوة باتجاه إنقاذ أكبر ثلاث شركات لصناعة السيارات في الولايات المتحدة، ألا وهي "جنرال موتورز" و"كرايسلر" و"فورد موتور"، والتي عانت تراجعا في توافر القروض ما أدى إلى انخفاض المبيعات المحلية من السيارات إلى أدنى مستوياتها في 25 عاما.
وكان مجلس الشيوخ قد رفض إقرار خطة بمنح قرض قيمته 14 مليار دولار لصناعة السيارات في كانون أول (ديسمبر). وعليه ، فإنه ما زال من المحتمل أن تمول إدارة بوش هذا القرض من خلال خطة الإنقاذ المالي الحالية. ولكن حقيقة أن شركات صناعة السيارات لم تستطع الحصول على موافقة الكونجرس تعد بمثابة مؤشر قوي على المناقشات التي تتطور في الولايات المتحدة حول الركود الاقتصادي.
وهنالك أغلبية من الناخبين الأمريكيين عارضت خطتي الإنقاذ المالي وصناعة السيارات. ذلك أن عديدا من الأمريكيين أبدوا انزعاجهم حيال إنقاذ وول ستريت وشركات كان يتعين توجيه اللوم لها لمسؤوليتها عن هذه الإخفاقات التي مُنيت بها.
وقدمت المؤسسات المالية وشركات إقراض الرهن العقاري قروضا ذات أسعار فائدة مرتفعة إلى أصحاب المنازل ممن لا يقدرون على تحملها وسدادها. أما شركات صناعة السيارات فهي تناضل طوال عشر سنوات بينما حصل منافسون أجانب على حصة من السوق نظرا لتكاليف عمالة منخفضة ومركبات أكثر ترشيدا في استهلاك الوقود.
وانتقد مشرعون هذا الأسبوع مسؤولي وزارة الخزانة خلال جلسات استماع في الكونجرس لفشلهم في فتح أسواق القروض الأمريكية ومساعدة المستهلكين العاديين، وذلك على الرغم من أنهم قد خصصوا بالفعل ما يقرب من نصف خطة الإنقاذ التي تتكلف 700 مليار دولار من أجل تمويل البنوك. وقد اعترف الرئيس بوش بأنه أرغم على أن ينحي جانبا غرائزه بشأن السوق الحر بهدف إبقاء الاقتصاد طافيا، بيد أن عديدا من السياسيين ما زالوا يجادلون بأن الحكومة قد ذهبت إلى حد بعيد فيما يتعلق بجهودها لإنقاذ صناعات لا تستحق المساعدة.
وقالت مارسي كابتور، عضو الكونجرس عن ولاية أوهايو وهي من أشد منتقدي خطة الإنقاذ، في أيلول (سبتمبر): "الهدف هو خصخصة المكاسب لدى القلة وتأميم الخسائر لدى الكثرة".
وقد حثت وزارة الخزانة على التذرع بالصبر بينما تعكف على إحياء القطاع المالي. ولهذا، فإن العبء كله سيقع على كاهل الفريق الاقتصادي في إدارة أوباما في عام 2009.