رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الأزمة المالية العالمية تثبت التلازم بين سوقي الأسهم والعقارات وليس التنافس

ينبئنا التاريخ عبر مسيرته الطويلة أن العالم الذي نعيش فيه مبني على معادلة كونية قوامها التوازن في ترتيب الأولويات, ووضع الأمور في موضعها الصحيح الذي صنعت من أجله بتسلسلٍ معينٍ وتوقيت معينٍ والترامات ومسؤوليات معينة. وحينما يختل هذا التوازن لسبب من الأسباب يتعرض الكون للأزمات التي تهزه من أعماقه وتجعله في حالة من الفوضى والشك وفقدان الثقه بالنفس والتخبط إلى أن تتم إعادة التوازن له بتلمس أسباب ما حدث وإعادة ترتيب وبناء المعادلة الكونية، فتعود الأمور إلى مجرياتها الطبيعية إلى أن يحدث الخلل من جديد وتحدث أزمةٌ جديدة وهكذا.
ويفسر لنا الخلل الذي تتعرض له المعادلة الكونيه من وقت إلى آخر أسباب حدوث الأزمات: الاجتماعية, الصحية, المالية, الاقتصادية, السياسية, البيئية, والعسكرية المتمثلة في الصراعات والحروب الأهلية والدولية. ولا شك أن قيام الحربين العالميتين الأولى عام 1914 والثانية عام 1939، والكساد الاقتصادي العظيم الذي استمر من عام 1429 إلى عام 1933, كلها يأتي ضمن سياق اختلال توازن المعادلة الكونية التي أشرنا إليها.
تبارت الأقلام في تحليل وتفسير أسباب حدوث الأزمة المالية التي تجتاح العالم هذه الأيام - والمعروفة بأزمة الرهن العقاري وتداعياتها - فردتها إلى أسباب لم تخرج في مجملها عن المالية والاقتصادية. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تتكرس جهود الحلول في الإطارين المالي والاقتصادي وديناميكياتها المتمثلة في ضخ الأموال في الأسواق وتخفيض معدلات الفائدة (بنظام السوق الرأسمالي) ومعدلات الخدمات الإدارية (بنظام السوق الإسلامي). ونرى أن الأسباب الحقيقية في جذورها مختلفة تماما عما تم تحليله في أدبيات هذه الأزمة .. كيف؟
لأمورٍ متعددة منها "قلة علم الإنسان "، وضعف ذاكرته، وضعف استفادته من الدروس التي تمر به، إلى جانب أنانيته وتغليب مصالحه الشخصية على المصلحة العامة للأمة التي ينتمي إليها, فإن الأزمة ما إن تنتهي حتى يبدأ هذا الإنسان في ممارسة التجاوزات التي تخل من جديد بتوازن المعادلة الكونية التي تحكم حياة المجتمع الذي يعيش فيه. وحينما تقدمت العلوم والآداب وأقيمت الجامعات بأشكال وأنماط مؤسسية ثبت أن لكل مجالٍ من مجالات الحياة علما وفنا تخصصا يحكمه. وظهرت
التخصصات العسكرية، المحاسبية، تخصصات الطب، الهندسة، الرياضيات، القانون، الاقتصاد، الجغرافيا، الكيمياء، الفيزياء، الاجتماع، التاريخ، والإدارة ، وغيرها من التخصصات. وكان هناك إجماع على أن تخصص الإدارة هو التخصص الذي تحتاج إليه بقية التخصصات في إدارة شؤونها، أي المساهمة معها في وظائف التخطيط، التنفيذ، الرقابة، التقييم, الثواب, والعقاب. وثبت هذا التوجه منذ مطلع القرن الـ 20 الميلادي بمبادئ وتطبيقات الإدارة العلمية التي قادها كل من فريدريك تايلور في الولايات المتحدة (كتاب: مبادئ الإدارة العلمية ـ 1911) ، وهنري فايول في فرنسا (كتاب: وظائف ومبادئ الإدارة ـ 1916). كما تأكدت بما تلتها من نظريات ومبادئ إدارية أخرى لعلماء وأعلام آخرين.
المعطيات التي تقدم ذكرها تدل على أن قيام الأزمة المالية الدولية الحالية ناتج عن إخلال بأولويات المعادلة الكونية التي تحكم المجتمعات البشرية المعاصرة. فمنذ منتصف القرن الـ 20 الميلادي تزايد الاهتمام لدى المجتمعات, خاصةً المتقدمة منها, بأمرين هما الاقتصاد والمال من ناحية والعلوم العسكرية وصناعاتها من ناحية أخرى. ونتج عن هذا الاهتمام أن أعطى الإنسان – بعلم أو بغفلة منه - التخصصين المتعلقين بالأمور المالية والاقتصادية والعسكرية الأولوية في المعادلة الكونية متقدمين بذلك على تخصص الإدارة . أي أن الأمور المالية والاقتصادية والعسكرية في المنظمات العامة والخاصة أصبحت توجه الإدارة وتقودها بدلا من أن توجهها الإدارة وتقودها بعلمها وفنها كما هو مفروض، وأصبحنا نرى كبريات الشركات ومؤسسات الأعمال يتسنم قيادتها العليا من ليس لتخصصاتهم العلمية علاقة بفن الإدارة وعلمها من قريب أو بعيد . هذا الوضع المقلوب الذي يشبه وضع العربة أمام الحصان هو الذي تسبب في نشوء أزمة الرهن العقاري وتداعياتها الأخرى. نعم أساس المشكلة القائمة هو وضع إداري مقلوب. فحينما أخللنا بالأولويات الطبيعية ضمن المعادلة الكونية وجعلنا المال والاقتصاد والأمور العسكرية تقود الإدارة في المسار الذي تريده بدلا من العكس أوقعنا أنفسنا في أزمةٍ ماليةٍ كونيةٍ خانقة.
هذه الحقيقة ينبغي الاعتراف بها وتحمل تبعاتها بإعادة ترتيب وهندسة عديد من المفاهيم والنظريات والتطبيقات السائدة، ومن ذلك:
ـ وضع العربة خلف الحصان بحيث تكون الإدارة في المقدمة والمال والاقتصاد والصراعات السياسية والعسكرية من بعدها ضمن المعادلة الكونية. فعلاج المشكلة لا ينحصر فقط في خفض معدلات الفائدة أو معدلات الخدمات الإدارية وضخ الأموال العامة في البنوك ومؤسسات
الأعمال الصناعية والزراعية والخدمية وبورصات الأسهم بحيث تتوافر لها السيولة الكافية لإعادة دوران عجلة النمو الاقتصادي وتحاشي زيادة معدلات البطالة، إنما العلاج - بجانب ذلك – يكمن في توفير البيئة الإدارية التي تجعل منظمات الأعمال الخاصة والعامة تدير شؤونها وتحقق أهدافها بأساليب تتوافر فيها كفاءة وفاعلية الأداء, وهذه مهمة وتخصص الإدارة والإداريين. فكفاءة الأداء تضمن لنا إدارة أعمالنا بما يلزم من النفقات دون زيادة أو نقصان ودون مبالغات أو انفلات في تكاليف المشاريع وفي تكاليف التشغيل والصيانة ومنها الرواتب والعلاوات التي يتقاضاها المشرفون والقيادات في تلك المنظمات. وفاعلية الأداء تضمن لنا إدارة أعمالنا بما يحقق الجودة في المنتجات السلعية والخدمية ويرضي المكونات التي تخدمها تلك المنظمات. كما أن مهمة الإدارة في توفير كفاءة وفاعلية الأداء في المنظمات يمثل سياجا واقيا من تكرار حدوث الأزمات. وهذا يعني أن جهود التعامل مع الأزمة القائمة ينبغي أن تكون في اتجاهين أحدهما علاجي للحاضر يتمثل في ضخ السيولة الكافية في البنوك وشركات الأعمال والبورصات المالية، والآخر وقائي للمستقبل يتمثل في إعطاء الإدارة د دورها الطبيعي والطليعي في إدارة المال والاقتصاد والصراعات السياسية والعسكرية مع الاحتفاظ بالأمور الفنية في هذه المجالات للمتخصصين فيها.

ـ على علماء الإدارة والمتخصصين فيها إعادة هندسة وصياغة نظريات الإدارة في التخطيط، التنفيذ، الإشراف والقيادة ، الرقابة، التقييم، والثواب والعقاب، بما يلائم متطلبات الأعمال في منظمات القرن الـ 21. وبما هو مستفاد من دروس الأزمة الحالية، وبما يستوعب مستجدات العولمة، وانفتاح الأسواق في ظل مبادئ منظمة التجارة العالمية، وبزوغ نجم التجارة الإلكترونية، والتقدم الهائل في التقنية ووسائل الاتصال, ومنها الإنترنت وآفاقها اللامتناهية.

ـ على علماء الاقتصاد والمالية العامة والمتخصصين فيها إعادة هندسة وصياغة النظريات الاقتصادية والمالية لتلائم أوضاع ومعطيات الأسواق الحالية انظلاقاً من نظرية الذراع الخفية التي تتحكم في آلية السوق وتعيد لها التوازن دونما جاحة إلى تدخل الحكومات, كما يرى ذلك آدم سميث في كتابة "ثروة الأمم " (1776). والنظرية العامة في التوظيف التي تنادي بتدخل الحكومات في الأسواق عن طريق زيادة ضخ الأموال فيها بهدف إيجاد مزيد من الفرص الوظيفية وقت تباطؤ النمو أو حدوث الكساد الاقتصادي, كما يرى ذلك جون ماينرد كينز في كتابه "النظرية العامة في التوظيف" (1936) . ونظرية تحجيم القطاع الحكومي لحساب توسيع قطاع الأعمال عن طريق التخصيص والحد من تدخل الدولة في تنظيم السوق, كما يرى ذلك ميلتون فريدمان في كتابه "الرأسمالية والحرية" (1962).

ـ أظهرت الأزمة الحالية قصورا في الرقابة الداخلية والخارجية على أداء البنوك والشركات في القطاع المصرفي وقطاع التأمين بما في ذلك المبالغة في النفقات التشغيلية، وفي الرواتب والعلاوات، وتكاليف المشاريع. كما أظهرت قصورا في شفافية البيانات المعلنة، وتداخلا في الاختصاص في مزاولة الأعمال المرخصة لها . ومن ذلك مزاولة بعض كبريات شركات التأمين تخصصات بنكية مثل استقبال واستثمار مدخرات عملائها في بورصات الأوراق المالية كالأسهم والسندات بما يعرضها لأضرار أزمات كانت في الأصل ليست ضمن المجالات المرخص لها بالعمل فيها. وهذه الأمور تستوجب إعادة النظر فيها.
ـ أظهرت الأزمة القائمة ـ بخلاف الاعتقاد السائد ـ أن سوقي العقار والأسهم ليستا في وضع تنافسي وإنما هما في حالة تلازم. أي أن الكساد والرواج الذي يصيب إحداهما يصيب الأخرى. وهذه ظاهرة تستحق مزيدا من التأمل والدراسة. ويبدو أن ظاهرة تلازم القطاعين هي الأقرب للصحة. ويمكن تفسيرها بأن قطاعي العقار والأسهم باتا يشكلان مفاصل رئيسة من الاقتصاد والاستثمارات الاقتصادية في بلدان العالم . لذلك فإنه حينما يمرض أحدهما أو يتعافى يتأثر به الآخر سلبا أو إيجابا. كما أنهما معا يعكسان حالة اقتصاد البلد من التقهقر أو النمو وليس أحدهما دون الآخر.

ـ ينبغي التخلص من وهم أن النظام الرأسمالي هو السبب في نشوء الأزمة المالية القائمة حالياً، والتبشير بقرب سقوط ذلك النظام وسقوط الولايات المتحدة معه، وذلك لعدة أمور, منها:

ـ أن الأزمة القائمة وإن كانت في وضعها الحالي ماليةً واقتصادية إلا أن مسببات حدوثها تعود إلى قصور في التوجهات والممارسات الإدارية على النحو المتقدم تحليله وبيانه.
ـ أن النظام الرأسمالي - فيما عدا مسألة الربا - هو أقرب الأنظمة لنظام السوق في الإسلام. ولا نرى أسبابا تدعو للاعتقاد بسقوطه، وسيتخطى هذه الأزمة كما تخطى أزمة الانهيار الاقتصادي التي حدثت في الفترة بين 1929 إلى 1933، وأزمات أخرى تلتها.
ـ لن تنهار الولايات المتحدة بسبب الأزمة المالية الحالية, كما يبشر بذلك بعض الكتاب والمحللين تلميحا أو تصريحا. فمن يعرف النظام الديمقراطي المؤسساتي الأمريكي، ونسيج المجتمع الأمريكي، وأساليب تفكيره، وقدرته الفائقة على التغيير، وامتلاكه التقنية المتقدمة والمصادر الطبيعية الهائلة يدرك أن الأزمة المالية الحالية بالنسبة لأمريكا ليست نهاية المطاف. إنما هي أزمة سبقتها أزمات وقد تليها أزمات أخرى رغم خطورتها والاهتمام المتزايد بها من قبل القيادة والمؤسسات الدستورية الأمريكية . ولن تمتد هذه الأزمة في تقديري إلى أكثر من عامين إن لم يكن أقل من ذلك, ومن يعش سيرى. ولعله من المفيد تذكير البعض بأن دول المؤسسات الديمقراطية لا تنطبق عليها المعايير التقليدية في سقوط الدول. ولنأخذ المثال التاريخي من خروج الولايات المتحدة مهزومةً في فيتنام عام 1975 ثم عودتها أقوى مما كانت عليه. ومن المملكة المتحدة (بريطانيا) التي رغم زوال إمبراطوريتها التي لا تغيب عنها الشمس لم تسقط، وها هي من أقوى مجموعة الدول الأوروبية، وما ذلك إلا بسبب كون دول المؤسسات الديمقراطية لا تخضع للمعايير التقليدية بنهوضها أو سقوطها.
ونختم هذه المقالة بتأكيد ضرورة إيجاد وسائل استشعار وإنذار مبكر بجهود محلية وإقليمية ودولية تكون وظيفتها التحذير من التوجهات والسلوكيات الإدارية والمالية والاقتصادية وغيرها التي تقود إلى الأزمات في الأسواق . كما نؤكد ضرورة الوعي الدائم بمكونات المعادلة الكونية وأولوياتها وتوازناتها كوسيلة لتحاشي تكرار حدوث الأزمات المالية وغيرها من الأزمات، مع تأكيد دور الإدارة والقيادات الإدارية المتخصصة في هذا المجال. ونؤكد أهمية دور القيادات السياسية في تمكين الإدارة والإداريين المتخصصين من أداء أدوارهم في منظمات المال والاقتصاد والأعمال بمختلف صنوفها. كما ندعو الكتاب والمتخصصين من الأكاديميين والممارسين للأعمال في القطاعين العام والخاص ليدلوا بدلوهم في الموضوع وصولا إلى التحليل العلمي والموضوعي للأزمة القائمة، وسبل علاجها، والخروج منها بأقل الخسائر، وتحاشي تكرارها في المستقبل القريب والبعيد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي