دعم الطاقة: هل يستمر؟ (1)
بلغ استهلاك المملكة نحو 2.2 مليون برميل من النفط في عام 2007، وقد سجل هذا الاستهلاك نموا بمعدل 6.2 في المائة من 2002 – 2007 بينما سجل إنتاج النفط السعودي نموا بمعدل سنوي قدره 1.72 في المائة في السنوات العشر الأخيرة، وكذلك النمو في إنتاج الغاز نحو 5.20 في المائة سنويا للفترة نفسها طبقا لنشرة "برتش بتروليوم" الإحصائية. ولذلك فإن الصادرات السعودية في تناقص نسبي، وإذا استمرت هذه النسبة فسيكون هناك ضغط متواصل على الصادرات. يتزايد هذا الاستهلاك بسبب النمو الاقتصادي وهذا نمو حميد، كذلك يزداد الاستهلاك بسبب الدعم غير الاقتصادي. في الفترة الأخيرة طرأ عامل مهم في طبيعة الاستهلاك، حيث إن الغاز الطبيعي يستخدم في الصناعات البتروكيماوية بازدياد، مما يضاعف استخدام النفط الخام بديلا في توليد الكهرباء. كل محطة كهرباء جديدة (ألف ميجا وات) تستهلك نحو 90 ألف برميل نفط. ينمو استهلاك الكهرباء في المملكة بنسبة لا تقل عن 7 في المائة سنويا، أي ما يعادل أكثر من محطة كهرباء سنويا مستخدمة 1 في المائة من إنتاج المملكة، ولذلك فإن الاستمرار بهذا النمو سيستهلك نحو مليون برميل نفط سنويا بعد عشر سنوات، وهذا فقط لقطاع الكهرباء، قد يصل استهلاك المملكة للنفط إجمالا نحو 3.5 إلى أربعة ملايين برميل في عام 2018، وهذا سيشكل نحو 40 في المائة من إنتاج النفط إذا استمر الإنتاج على الحجم نفسه.
الاستهلاك غير "المرشد" يسبّب الإسراف ويضر بالجميع. سبب الإسراف الأساسي هو التسعيرة غير الاقتصادية. لذلك دعنا نستعرض بعض أهم جوانبه: الجانب الأول هو تسعيرة الغاز للصناعات البتروكيماوية، بدأت هذه التسعيرة بسعر "مخفض" لدعم البدايات الأولية للتصنيع في المملكة وهذا هدف سام. كان سعر (مليون واحد BTU) لا يزيد على دولارين ولذلك فإن تسعيرة الغاز لـ "سابك" وغيرها في حدود 75 سنت، كان دعما "مقبولا" ولكن سعر هذا المقياس اليوم يصل إلى نحو 5.7 دولار ولذلك فإن الدعم أصبح دعما غير مبرر اقتصاديا والدعم غير الاقتصادي المتواصل ينشئ صناعات ضعيفة، وهذا ما يفسر عدم حرص "سابك" وغيرها على الدخول في الصناعات التحويلية الأكثر قيمة مضافة. يصعب لومهم، حيث إن الأرباح طيبة وسهلة، كذلك نلاحظ منافسة محمومة من قبل كثيرا من المستثمرين للاستفادة من هذا الدعم السخي غير الاقتصادي.
المصلحة واضحة ولكن خدمة الاقتصاد السعودي أقل وضوحا.
الوجه الآخر للاستهلاك يأتي من خلال وقود قطاع المواصلات. تأخذ الحكومة بسياسة دعم مؤثر للوقود، فأسعار البنزين في المملكة من أقل الأسعار في العالم وحتى مقارنة بدول الخليج.
استهلاك الوقود بهذه الوتيرة يسهم في عدة مشكلات، أولاها ضياع الفرصة الاقتصادية في التصدير وكذلك الحافز للتهريب، ثانيتها يحد من تطور اقتصاديات النقل العام وكثرة الحوادث المرورية، وثالثتها يسهم في التلوث وما إلى ذلك من أضرار صحية وفاتورة طبية عالية على المجتمع، يقابل كل هذه الجوانب السلبية رغبة الحكومة في دعم المواطن، ولكن دعم المواطن يكون في أحسن صورة حينما نخدمه بطريقة شمولية وعلى المدى الطويل.
الوجه الأخير للدعم يأتي من خلال دعم المنافع العامة كالكهرباء والماء غير الاقتصادي الذي يسبب الإسراف وتزايد الاستهلاك ليتعدى الطاقة الإنتاجية ويبدأ تأثيرات جديدة – فبعد أن كان مساهمة فاعلة لتطوير المجتمع وصل إلى مرحلة التكلفة العالية غير القابلة للاستمرار.
الإشكالية الأساسية أن هناك خلطا كبيرا بين دولة الرفاه والسياسة الاقتصادية الحصيفة. ودائما حينما يكون هناك خلط بين هذه الأبعاد لا تكون السياسة بعيدة ولا المصالح الضيقة. أي مراجعة جادة لهيكلة الاقتصاد السعودي والنظرة البعيدة لآفاق هذا الاقتصاد تحتم إعادة تقييم وتسعير الوقود والغاز والمنافع لإيجاد التوازن بين خدمة الناس في المدى القصير واستحقاقات الأجيال المقبلة من جهة والبرامج الاقتصادية الحصيفة من جهة أخرى. التهرب بيروقراطيا من هذه الاختيارات الصعبة ليس بديلا عن المسؤولية. حلول مسألة الدعم تناقش في مقالة الأسبوع المقبل.