رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل يمكن صناعة المديرين من خلال العمل الميداني داخل المؤسسات؟!

يتناول هذا المقال رؤية الكاتب حول إمكانية تخريج القادة الإداريين من خلال العمل الميداني، تأسيسا على أن بيئة العمل الإداري في المؤسسات الناجحة تعد بمثابة جامعة للتدريب الميداني وتخريج المديرين، وينحو المقال في اتجاه محاولة الإجابة عن أسئلة، مثل: هل يمكن صناعة المديرين؟!، وإذا كان ذلك ممكنا فهل تتم صناعتهم من خلال التكوين والإعداد الميداني، أم من خلال الدراسة الأكاديمية فقط؟!، وهل يمكن لأي شخص أن يعد نفسه كي يكون مديرا، أم لا بد من وجود من يتعهده بالعناية والرعاية والتوجيه كي يصبح كذلك؟!، وإجمالا: هل يمكن تحويل شخص عادي إلى مدير؟!، أو مرؤوس إلى رئيس؟!، أو منفذ إلى مشرف؟!
والإجابة عن كل هذه الأسئلة، كما تقتضيها الحال، تحتاج إلى توضيح، فعدا الاشتراط الوحيد وهو ضرورة توافر ملكة القيادة مع التكوين الفطري للإنسان، حتى يمكن تنشئته لكي يصبح مديرا، فإنه يمكن الإجابة بالإيجاب عن الأسئلة المتقدمة، في إطار ما يأتي من توضيح:
إن الدراسة الأكاديمية وحدها غير كافية لتكوين المديرين، لأن ما تشتمل عليه الدراسة الأكاديمية، في الغالب، لا يخرج عن كونه صقلا للمواهب، وإبرازا لها، إن وجدت، وبلورتها وإخراجها من مكمنها، وتشجيعها وحفزها على الظهور والتمدد، ثم يأتي بعد ذلك دور رعايتها، وغرس الثقة بها، عن طريق التعرف على تاريخ الرواد في حقل الإدارة، وتجاربهم ونظرياتهم، والمشاركة في ورش العمل، ودراسة الحالات، وعرض النظريات، وتحليلها ونقدها، والتعرف على بواعثها، والظروف التي نشأت فيها. ويمكن أن تشمل الدراسة أساليب إعداد التنظيمات وبناء الهياكل والمؤسسات، والإلمام بمبادئ العلوم الأخرى، ذات الصلة بالعمل الإداري، كعلم الإحصاء، والاجتماع، والمالية العامة، وهذا كله مما يدخل في مرحلة التكوين والإعداد لمن يملك الموهبة!
بيد أن ذلك كله لا يكفي لضمان تخريج قادة أكفاء، إذ لا بد أن يكون ضمن مراحل الدراسة فترة في العمل الميداني يقضيها الدارس تحت إشراف الجهة الأكاديمية قبل تخريجه ومنحه شهادة في الإدارة، أو أن يسبق التحاقه بالدراسة الأكاديمية فترة يقضيها في العمل الميداني، تمنحه الفرصة للتعرف على آفاقه ومشكلاته، ومن ثم ربط واقعه بنظرياته، إذ إن ميدان العمل هو المحك الحقيقي لاختبار قدرة الشخص على الإدارة، ودون هذا المحك لا يمكن الحكم بنجاح أي شخص في الإدارة، مهما أخذ من الدارسة الأكاديمية!
من وجهة أخرى، فإنه يمكن صناعة المديرين داخل المؤسسات ذاتها، حتى لو لم يمروا بدراسة أكاديمية، فكثير ممن نراهم اليوم يقفون على رأس الهرم في مؤسسات ناجحة في العالم، لم يدرسوا الإدارة دراسة أكاديمية، بل درسوها دراسة ميدانية، ومع ذلك تحولوا إلى معلمين فيها، يتخرج على أيديهم مديرون ناجحون، ورغم ذلك لو سألت واحدا منهم عمن يكون (ماكس فيبر) أو (ودرو ولسن) لما أخبرك، لكنهم بمواهبهم وقدراتهم نجحوا في الوصول بمؤسساتهم إلى نماذج تحتذى في فلك الإدارة!، مثل هؤلاء، يؤخذ كمثال، يدلل على أن مفهوم الإدارة يعود إلى المبدأ الأساسي الذي نبحث عنه من خلال دراستنا للإدارة، وهو النجاح في كيفية استثمار جهود الأفراد لتحقيق هدف مرسوم، سواء أتى هذا النجاح من خلال دراسة ميدانية، أو من خلال ربط الدراسة الأكاديمية بالميدانية، مع عدم التقليل من شأن الثقافة العامة كداعم للإدارة، وهي التي تجعل المدير ملما بالحدود الدنيا من تاريخ العلماء البارزين في الإدارة، ناهيك عن العلوم الأخرى ذات الصلة. وهؤلاء المديرون، في مؤسساتهم، أشبه بالمعلمين، إذ بإمكانهم تخريج غيرهم ممن يلمسون فيهم الموهبة والاستعداد، حيث يتعهدونهم بالرعاية، والتوجيه، والتدريب على مختلف الأعمال، والانتقال بهم من التنفيذ إلى الإشراف تدريجيا، وهذه الفئة من المديرين وجدت الرعاية والاهتمام فاستجابت لهما، في حين لم يكن ذلك بوسع فئة أخرى، وهو الأمر الذي نراه ماثلا للعيان في الميدان!
وإذا انتقلنا إلى سؤال آخر وهو: هل بإمكان الفرد أن يصنع من نفسه مديرا؟!، إذا كان يملك الموهبة الأساسية للقيادة، فإن الإجابة تكون بالإيجاب، متى تعهد الموظف نفسه بالتدريب على الأعمال الميدانية الإدارية، وذلك بأن يضع لنفسه هدفا يتمثل في أن يطمح في الوصول إلى مركز معين في المنشأة التي يعمل فيها، يجده محببا إلى نفسه، ويتمنى الوصول إليه، ثم يبدأ في التفكير في كيفية الوصول إلى ذلك الهدف، ومن ثم التخطيط لذلك، بوضع تصوراته، ورؤاه واحتمالاته، وفحصها واختبارها، وبعد ذلك تأتي مرحلة العمل للوصول إلى الهدف، وذلك بالإخلاص للعمل، والجد والاجتهاد والمثابرة، واقتفاء أثر رؤسائه الذين وصلوا إلى مناصبهم، وجعلهم قدوة له، وأن يفكر ويبحث في كيفية وصولهم إلى ما وصلوا إليه، ويدرس تاريخهم وسيرهم، ومؤهلاتهم، وأسلوبهم في إدارة أعمالهم، وطبيعة سلوكهم وتصرفاتهم، وتعاملهم مع موظفيهم، ومع غيرهم ممن لهم علاقة بعملهم، وطريقتهم في النظر إلى المشكلات الإدارية، وكيفية تعاملهم معها، وعليه أن يتلمس من خلال ذلك كله منهجا يتبعه للوصول إلى هدفه.
إن ركائز العمل الإداري الناجح، وهي: الموهبة، والحس، والإخلاص، والطموح إلى الترقي، كفيلة أن تكون هي المركبة التي يمتطيها كل شاب يبحث عن النجاح.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي