الأزمة الاقتصادية تحتم أن تكون رؤيتنا المستقبلية كدولة الطاقة
تبدأ اليوم أكبر فترة للعمل دون الإجازات الكبرى وهي أول مرة تمر علينا للعمل لفترة ستة أشهر دون انقطاع إلا من إجازة الطالب. ولعلها فرصة لشد النفس واستقراء مشكلة الركود الاقتصادي الذي يمر به العالم اليوم والمشكلات التي تواجهها مصانع السيارات في العالم هي فرصتنا للبروز والتميز كدولة الطاقة وأن تكون هي فرصتنا ورؤيتنا المستقبلية الواضحة والمتميزة عن بقية دول العالم. فاليوم هو فرصة هبوط وأفول بعض الدول لتحل محلها دول جديدة في مرحلة لعبة الكراسي الدولية. وكل دولة تنظر إلى مقوماتها التي تجعلها تفرض نفسها على بقية الدول. فقد حان وقت التخصصية المتميزة في الاقتصادات. وبالنظر إلى أكبر مقوماتنا وهما النفط والغاز فإننا من المفروض أن نتخصص فيهما وأن نكون مستشارين للعالم في شؤون النفط والغاز والبتروكيمكال. وأن تكون صناعة النفط لدينا متطورة لدرجة أن أي دولة تكتشف أو تود معرفة ما إذا كان لديها نفط أن تسألنا أولا دون بقية الدول. فنحن نعيش من خير النفط ويجب أن نعيد بعض ثرواتنا لخدمة هذه الثروة. وأن نكون الأوائل في شركات البحث والتنقيب والتكرير في العالم. فنحن بالرغم من أننا دولة النفط إلا أنه ليس لدينا دراية أو وعي عام بتلك الصناعات سواءَ كمواطنين أو مؤسسات. فمعظم دول العالم تسعى لأن يكون لها اسم يعكس حضارتها وما تسعى للوصول إليه. وقد سبق أن أشرت في مقالات سابقة إلى مرحلة الصراع الاقتصادي والمعلوماتي المقبل بين الدول. وكذلك إلى الصراع بين بعض الدول الآسيوية مثل ماليزيا وتايلاند وسنغافورة وأسماء مثل آسيا الجديدة وآسيا السياحية والاقتصادية والتجارية. بينما تبقى أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم تفتقد إلى رؤية مستقبلية واضحة لما نهدف إليه. وماذا ستكون رؤيتنا التي نحملها للأجيال المقبلة عندما ينتهي مخزوننا من النفط. أو عندما يتضجر العالم من مشكلات التلوث البيئي خاصة بعد التوجه العالمي الأخير لتجنب الطاقة النفطية, ومحاذير ذلك علينا من فرض ضرائب أو عقوبات. أليس من الأولى أن نبدأ من الآن في وضع رؤية وخطة مستقبلية للاستفادة من مدخراتنا النفطية لتطوير تقنية تقليل التلوث من الوقود وفي الوقت نفسه تطوير البدائل الأخرى للطاقة التي ـ حبانا الله ـ بها مثل الطاقة الشمسية والكيماوية وغيرهما. وأن نسخر إمكاناتنا للبحث العلمي والتطوير لتلك البدائل وندرب أبناءنا من خلال برامج مشتركة مع الدول التي سبقتنا في هذا المجال. وما الذي يمنعنا أن نحلم أن نكون دولة أو مملكة الطاقة Energy Kingdom.
لقد ناديت منذ أعوام بهذا التوجه, ولعل جامعة الملك عبد الله في جدة هي بداية الخير ولكن أرى أن يكون لدينا أكثر من كلية وجامعة للنفط والغاز والبتروكيماويات. وأن ندرب معظم آبائنا فيها وأن يبدأ العالم بابتعاث أبنائه للدراسة لدينا في هذه التخصصات.
وعندما نتحدث عن الطاقة في بلدنا فإننا نتحدث عن دولة ـ حباها الله ـ بثروات هائلة لا تحصى من بدائل الطاقة بدءا من النفط والغاز ومشتقاتهما إلى البدائل النظيفة للطاقة, إلى وفرة الأشعة الشمسية والشمس اللاهبة. وثروة هائلة من الرمال التي يصنع منها السليكون للشرائح الضوئية. وإلى صحراء ووديان مناسبة لمجاري أو أنفاق هوائية لتحريك مراوح الطاقة الهوائية وإلى محاصيل التمور التي يستفاد منها في الطاقة الكيماوية من حرق السكر وتحويله إلى أنواع الوقود الكحولية.
مجموعة كبيرة من المخرجات والثروات التي لا بد من تبني فكرة تطويرها حسب الأولوية والأهمية من خلال خطة طويلة المدى وعلى مراحل من عشرات إلى مئات السنوات. فالعالم يتوجه إلى هذا المسار. وهو تسابق عالمي تتزعمه ألمانيا حاليا وتنافس فيه سويسرا وأمريكا, وهو التوجه إلى أهم بديلين حاليين للطاقة النفطية وهما الطاقة الشمسية والطاقة الهوائية. وتسعى حاليا الصين والهند وكندا للدخول بقوة في هذا المجال الذي أزف وقته.
والطاقة الشمسية لها على الأقل اتجاهان لتوفير الطاقة. الأول هو الاستفادة من حرارة الشمس وهو أسلوب تقليدي معروف. ولكن ما يتم حاليا هو تطوير التقنية لتركيز حرارة الشمس في بؤر عاكسة لتسليط حرارة شديدة تساعد على تبخير المياه ومن ثم تقطيرها. وبذلك فإنه سيكون هناك قريبا إمكانية تطوير محطات تحلية مياه صغيرة جداَ ويمكن استعمالها لكل منزل. وقد تكون مناسبة للمزارع والمصانع البعيدة عن المدن. والاتجاه الآخر للطاقة الشمسية هو الأكثر تعقيدا وتكلفة وهو استعمال الخلايا الضوئية (فوتوفولتك) لتوليد الطاقة الكهربائية وتخزينها. وهو المجال الذي تتسابق إليه الدول. وقد كان العائق أمام هذا البديل هو عدم جدواه اقتصاديا بسبب التكلفة العالية لصناعة الخلايا الضوئية الفولتية. ولكن التطور الأخير الذي جعل تلك التكلفة تقل 50 في المائة عما سبق هو الذي أعاد الاهتمام بها. حيث تخطط ألمانيا لزيادة التركيز على تطوير الطاقة الشمسية. إذ إن اعتمادها الحالي على الطاقة الشمسية يصل إلى 5 في المائة من احتياجاتها. وتسعى لرفع ذلك إلى 20 في المائة خلال السنوات العشر المقبلة.
ويعود الاهتمام الحالي مجددا لاستعمالات الطاقة الشمسية إلى التقدم الحاصل في تخفيض تكلفة تقنية الطاقة الشمسية. حيث تفيد التقارير والأبحاث الأخيرة إلى أنها وصلت إلى نصف التكلفة القديمة مما يجعلها الآن أكثر منافسة للطاقة التقليدية. ومن المتوقع أن تتقدم التقنية حتى تصبح مساوية أو أقل من تكلفة الطاقة التقليدية. وهذا السبب الذي جعل الاهتمام بالطاقة الشمسية يتجدد.
ويحتل المركز الثاني في بدائل الطاقة مصدر المراوح الهوائية لتوليد الطاقة وبالتوجهين السابقين للطاقة الشمسية نفسيهما. ولاستعمالها لتوليد الطاقة الكهربائية من خلال مزارع من المراوح الكبيرة التي تبلغ أطوال ريشها عشرات الأمتار. وتدير تلك المراوح توربينات ضخمة وكافية لتوليد طاقة كهربائية لإنارة مدينة كبيرة.
وفي نهاية المطاف يأتي في المركز الثالث بدائل الوقود البيولوجية أو الكيماوية مثل الوقود بالكحول والهيدروجين والغازات الأخرى. ويستخرج الكحول من محاصيل زراعية معروفة كمصدر للسكر أو الجلوكوز. وقد يكون ما لدينا من ثروات التمور في المملكة ما يمكننا من تصدير هذه الطاقة إلى العالم.
هذا التدرج في الطرح البسيط لبدائل الطاقة التي نمتلكها بكميات هائلة يجعلني أتساءل عن دور المسؤولين أو المختصين في هذا المجال عن مدى مساهمتهم في توعية المجتمع إلى تلك البدائل ومدى الاستفادة منها بالتركيز عليها وعلى تدريب الكوادر البشرية الوطنية لنكون دولة الطاقة. وإلى مدى اهتمامهم بنشر أو طرح آخر ما توصلوا إليه من أبحاث في هذا المجال. وهل نجحت التجربة السابقة لبرنامج الطاقة الشمسية في قرية العيينة الذي سمعنا عنه مرة واحدة منذ بدء البرنامج من 30 عاما ثم لم نسمع عنه أي شيء.
موضوع بدائل الطاقة موضوع مصيري لمعظم دول العالم والمنافسة شديدة على من يقود الزمام ومن يبقى خلفه. لذلك فإننا يجب أن نسارع إلى وضع خطة ورؤية مستقبلية متميزة تميزنا عن غيرنا. وأن يتم وضع الخطط ضمن مرحلية مدروسة وتدريجية قد تأخذ عشرات أو مئات السنوات ولكنها في الأخير تحقق الأهداف. وأن نسخر لذلك البحث القدرات المالية والبشرية والعلمية للتطوير وأن نزرع في أبنائنا هذه القدرات وأن نوجههم التوجيه الصحيح من خلال جامعات ومعاهد تدريب. وأن نسعى لأن نكون دولة الطاقة بكل ما يحمله الاسم من أبعاد.
اقتراح بسيط أو سهل ممتنع ولكنه الآن بعد الظروف الاقتصادية الأخيرة أصبح مطلبا أساسيا. وخيارنا أن نكون متميزين ومتخصصين في أهم ما يميزنا عن غيرنا وهو النفط الذي نعيش من خيره. موضوع يجب أن يطرح على طاولة النقاش مع غيره من الاقتراحات لرؤية وطنية متميزة بأمل أن يرى طريقه إلى النور ويصبح الحلم حقيقة.