من مخططات سكنية.. إلى بناء المجتمعات المحلية
إن النهج البسيط المتشرذم في التعامل مع قضية الإسكان المعقدة والمتشابكة, يتطلب إعادة صياغة وبحثا عن أسلوب جديد ينسجم مع المتغيرات والمستجدات. المجتمع يتطور في كثير من الجوانب ما عدا قطاع الإسكان الذي ظل يراوح مكانه, يدور في فلك ضيق لا يتعدى مخططات شبكية بدائية تفتقد الخدمات المتكاملة ودون النظر إليه من زاوية الترابط الاجتماعي والإنتاج الاقتصادي والجانب الأمني والمعيار التخطيطي. المجاورات السكنية هي اللبنات الأساسية في المجتمع الكبير وكيفما تكون يكون المجتمع! كثير من المشكلات التي نعاني منها خرجت من رحم المجاورات والأحياء السكنية. إنها في حالة انغلاق تام على الرغم من التواصل الديني والالتقاء في المسجد للصلاة, إلا أن ذلك لم يحقق الترابط المطلوب بين سكان الأحياء خارج العلاقات الشكلية اللحظية. لقد كان حقا أمرا مفاجئا أن يظهر من بيننا إرهابيون يعيثون في الأرض فسادا ومتعاطو مخدرات في مجتمع محافظ وأحداث يقومون بالشغب وأعمال تخريبية وسطو مسلح بعضها في وضح النهار, غير مكترثين ولا مبالين وكأنهم انفكوا من أي قانون وصاروا في حل من أي قيم اجتماعية, منفلتين متطرفين في محاولة يائسة للإعلان عن النفس وجذب الانتباه. إنه خواء روحي وفراغ عاطفي يزرعه اليأس والإحباط وتغذيه طاقة متوقدة في داخلهم تتغلب على منطق العقل والحكمة الذي يتضاءل شيئا فشيئا أمام الأزمات وغياب المعادلة التي تربط بين المدخلات والمخرجات بين السبب والنتيجة. الجملة "إن تدرس تتوظف" لم تعد مثالا صحيحا للجملة الشرطية وإن صحت من الناحية اللغوية. فلا ارتباط في معظم الحالات بين العمل والجد والاجتهاد ومستوى الدخل! وهذا يبعث برسالة خطيرة لفئة الشباب أن هناك طرقا مختصرة وملتوية سهلة لتحقيق أهدافهم الاقتصادية والمكانة الاجتماعية. هذا الفكر والاعتقاد والثقافة في أخذ الكثير مقابل بذل أقل القليل حول المجتمع إلى مجتمع مستهلك خامل لا ينشد التطوير والتنمية وإنما الحصول على الغنيمة واقتسام الكعكة الاقتصادية بأي طريقة كانت! والشواهد على ذلك كثيرة ومتعددة, فالطالب لا يستنكف في التصريح جهارا نهارا في أنه حصل على درجة عالية بالغش والتاجر يتندر في المجالس دون حياء في أنه حصل على ما ليس له! وبعض الموظفين يوصفون بالحذاقة والذكاء عندما يستغلون مراكزهم لتحقيق مصالحهم الذاتية، بل حتى في السلوكيات العامة التي يفتقد فيها حس القانون واحترام حقوق الآخرين لدرجة أن معظم الناس لا يطيقون انتظار دورهم لا في الطرقات ولا المحال التجارية ولا في الدوائر الحكومية ولا في غيرها. الكثيرون تلبسهم المصالح الذاتية وتسيطر عليهم الأنانية البغيضة ورؤية الأمور من زاوية ضيقة دون الالتفات للمصالح العامة والمنافع الاجتماعية المشتركة. إنها حالة ثقافية أصبح الناس لا يكترثون للهم العام وكأن لسان حالهم يردد "وإذا مت عطشان فلا نزل القطر" كل نفسي نفسي. إنه وضع اجتماعي متأزم وخطير تنشأ عنه تراكمات سلبية خفية بتدرج لا يكاد يحسه أحد يقود للحقد والمباهاة الاجتماعية والتشرذم الذي قد يصعب معه تحقيق الضبط الاجتماعي بشقيه الاقتصادي والأمني على المدى الطويل. وخطورة الأمر أن المشكلة خفية ضبابية وحساسة لا أحد يرغب أو يجرؤ على مناقشتها لأنها تتعلق بعملية صنع القرار العام وإلى أي مدى تكون السياسات العامة منسجمة مع متطلبات وتطلعات المجتمع. ولذا انصرف الجميع يبحثون عن حلول ومعالجات لظواهر المشاكل الاجتماعية دون الاقتراب من جذورها! بعض الحلول جذابة سهلة قليلة التكلفة يتم تطويع المشكلة لتناسبها وليس العكس, لذا قد تخف حدة المشاكل لكن لا تختفي ولربما عادت للظهور أكثر حدة وضراوة. الحلول يلزم ألا تكون فقط فاعلة وذات كفاءة ولكن الأهم أن تكون مناسبة وإلا أصبحنا أشبه بذلك الشخص الذي راح يبحث عن شيء فقده في المكان الخطأ فقط لأنه مضاء! مشكلتنا في المجتمع أننا ننساق وراء العناوين الكبيرة الرنانة التي تدغدغ مشاعرنا وترضي غرورنا وتملأ مخيلاتنا بتصورات زائفة خداعة. إننا في منأى عن الأزمات نألفها ونستريح إليها. وإذا بالشكل لا يعكس المضمون لنفاجأ بسيل عرم من مشاكل الإرهاب والبطالة والفقر والمخدرات والسطو المسلح! مشاكل لم تدر في خلد حتى أكثر الناس تشاؤما. الأشياء من حولنا تتغير بسرعة تفوق قدرتنا التنظيمية على استيعابها والتعامل معها بكفاءة وفاعلية, فعدد السكان تضاعف وتقنيات الاتصال أدت إلى تغيير ثقافي في المجتمع, إضافة إلى دعوة العولمة للانصهار والذوبان الثقافي وتلاشي أهمية الهوية والخصوصية الوطنية.
هذه المتغيرات تتطلب أسلوبا جديدا للتعامل معها واحتوائها بل تحويلها لصالحنا. التساؤل الكبير الذي يجب أن نواجهه بشجاعة ووضوح وشفافية متناهية هو: كيف لنا أن نتعرف على مشاكلنا العامة وأولوياتنا الاجتماعية والاقتصادية وتحريك الموارد تجاهها بالكم والنوع والتوقيت المناسب؟ المطلوب نظم إدارية متطورة تصنع قرارات صحيحة وتستجيب للاحتياجات الفعلية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ما يلزم ملاحظته في هذا السياق هو أن صناعة القرار يجب ألا تنحصر في الشأن الوطني ولكن تفويض الصلاحيات لهيئات مستقلة على المستويات المناطقية والمحلية وأن كل مستوى يفترض أن يتخصص في القضايا التي تتناسب مع النطاق الجغرافي. وقد لا يكون من باب المبالغة في أن إدارة الأحياء السكنية من أهم الإدارات, إذ هي جذور التنمية الوطنية وفيها يقع التفاعل الإنساني بشكل مكثف ويومي وهي بالتالي مكان الحدث ومنشأه, ولذا فإن جميع المشكلات التي نعاني منها في المجتمع مصدرها الأحياء السكنية, فإذا صلحت صلح المجتمع وإذا فسدت فسد المجتمع. الوضع الراهن للأحياء السكنية دون المستوى ويفتقد الكثير من المعايير التخطيطية والصلاحيات الإدارية والمالية لإدارة شؤونها. الطريقة التي نقوم فيها بتخطيط الأحياء السكنية رخيصة جدا لا توفر البنى التحتية والخدمات العامة بشكل متكامل وإنما تأتي لاحقا بعد أن يمضي ردح من الزمان ومع هذا توضع إعلانات كبيرة عند المخططات لبيع القطع السكنية بمجرد رصف بعض الشوارع الرئيسة وإنارتها! إنه الإطار الذي أكبر من الصورة الذي يعزز حالة الانفصام بين الخيال والحقيقة ويخلق ثغرة كبيرة بين القول والفعل وحالة ثقافية من المعايير المزدوجة! تصميم الأحياء ومستوى توفير الخدمات له انعكاسات نفسية واجتماعية على ساكنيه. فهو يحدد أسلوب ومستوى المعيشة والتواصل والتفاعل والانضباط الاجتماعي. الحي الراقي بمعاييره التخطيطية والخدمية يفرز سلوكا حضاريا والعكس صحيح. الناس يتصرفون حسبما نتوقع منهم والتوقع يأتي في رسالة مغلفة في أسلوب عملية صنع القرار ودرجة مشاركتهم وتملكهم لقضاياهم ومستوى استجابة القرار العام لمتطلباتهم وتطلعاتهم الحاضرة والمستقبلية. لقد حان الوقت أن نبني مجتمعات سكانية تلبي احتياجات الساكنين الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وليس تجمعات سكانية أسمنتية يلفها الغموض والتفكك واللامبالاة والاتكالية وكأنها أدخلت نفقا مظلما اختلط فيه الحابل بالنابل ولم يعرف الصح من الخطأ وافتقد فيها مقومات العيش الكريم لتتحول محاولة البقاء وإثبات الذات إلى سلوكيات فردية وجماعية سلبية ترى في ممارسة الإرهاب والإجرام والاتجار بالمخدرات وحتى الشغب بجميع أشكاله وأنواعه تعبيرا عن حال الاحتقان والإحباط وأسلوبا لمواجهة الضغوط الاقتصادية والتهميش الاجتماعي. بناء المجتمعات المحلية في المجاورات السكنية أمر ضروري وحتمي وعاجل من أجل صيانة المجتمع الكبير وتماسكه. ويبدأ بإنشاء وحدات إدارية تتمتع بالصلاحيات الإدارية والمالية ومسؤولة عن إدارة الحي وتحقيق مصالح ساكنيه وتخطيطها على أساس معايير مهنية تراعي النواحي: الاجتماعية, النفسية, الاقتصادية, والأمنية. المجتمعات المحلية منها تبدأ عملية التنمية وإليها تنتهي، دورة كاملة دون انقطاع, ليس كما هو واقع الحال حلول مركزية لقضايا محلية!