رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


جمعة.. يستحق لقب رئيس أكبر شركة في العالم مدى الحياة

أصدر المجلس الأعلى للبترول والمعادن قرارا بتعيين المهندس خالد الفالح رئيساً للشركة.. خلفاً للرئيس الحالي عبد الله جمعة الذي سيترك الشركة بعد 15 عاما من العمل المشرف والجاد.
إن الحديث عن تعيين رئيس جديد لشركة أرامكو السعودية وهى أكبر شركة بترول في العالم هو حديث عن الكفاءات السعودية في الإدارة العليا.
ولا شك أن المشهد القيادي النخبوي في المملكة يضع القيادات السعودية الإدارية في المقدمة مقارنة بغيرهم من القيادات الإدارية من غير السعوديين.
ولذلك إذا استعرضنا الشركات السعودية.. نجد أن الإدارة العليا في هذه الشركات تتكون من مجموعة من الكفاءات السعودية النادرة، بمعنى أن السعوديين في الإدارة العليا ذوي مواهب وكفاءات عالمية نادرة، ويكفينا أن نذكر شركة سابك وأعضاء مجلس إدارتها, كذلك نذكر بالتقدير المدير التنفيذي والعضو المنتدب لها، ثم نستعرض أسماء جميع مديري البنوك والمصارف والمصانع ، ثم لنتذكر أسماء أعيان شركات سعودية مثل: أبو داود، ابن محفوظ، الراجحي، المراعي، الزامل، وصافولا إلى أن نصل إلى أسماء القيادات في المؤسسات الصحافية.
إن كل هذه الشركات والمؤسسات تحقق إنجازات ناجحة وفريدة بفضل كفاءة وإدارة الإنسان السعودي الموهوب، وإذا استعرضنا الشركات السعودية نجد أن أكثر من 90 في المائة هي شركات عائلية، وإن إدارة هذه الشركات منوطة بالنخب السعودية التي تأهلت لتسنم مراكز القيادة والإدارة في هذه الشركات.
وإذا كانت هذه الشركات قد حققت – على صعيد التنمية - نتائج مذهلة فى العقود الثلاثة الماضية، وأصبحت تتجشم عبء التنمية على قدم المساواة مع المؤسسات الحكومية، فإنها لم تكن كذلك لولا أداء وإبداع الكوادر السعودية .
وإزاء ذلك نستطيع القول إن القطاع الخاص في السعودية حقق نمواً لافتاً في العقود الثلاثة الأخيرة، وأصبح هدفاً يقصده الموهوبون من الموظفين السعوديين بعد أن كانت الوظائف الحكومية هي المقصد لكل موظف حكومي.
نعود إلى عبد الله جمعة الذي كان النموذج الفريد للقيادة الإدارية السعودية، وكان ماهراً مهارة تلفت الأنظار حتى استطاع أن يصعد بالشركة إلى مصاف أكبر من الشركات متعددة الجنسيات التي تقودها عقول عالمية ذات خصائص قيادية نادرة.
وتربطني علاقة حميمة مع الزميل عبد الله جمعة وكان حري بي أن أكتب هذه المقالة حينما كان جمعة يرتقى مع الشركة إلى العالمية ويدفعها كي تكون الأولى على مستوى العالم، ولكن ما منعني هو أنني كنت حريصا على الكتابة عن جمعة وهو خارج السلطة حتى لا تلقى المقالة تفسيرات شتى!!
ولكن الآن حينما يشارف عبد الله جمعة رئيس شركة أرامكو على مبارحة الكرسي وفى يده ملف إنجازاته ونجاحاته يكون حديثي عنه هو حديث القدوة، لقد كانت بداية العلاقة مع أخي جمعة هو أنني في السبعينيات صنفت ضمن طلاب منطقة جدة التعليمية المستحقين للانضمام إلى دورة صيفية تتبناها شركة أرامكو للطلاب الأوائل في المناطق التعليمية بكل أنحاء المملكة.
ولحسن الحظ كنت أحد هؤلاء الطلاب المختارين من منطقة جدة، وذهبنا إلى المنطقة الشرقية واحتضنتنا شركة أرامكو ، ولكن لأنني كنت – في ذلك الوقت - لاعبا في نادي الاتحاد في جدة ، فقد دعاني الشقيقان عدنان جمعة وعبد الله جمعة إلى اللعب معهما في ناديهم المسمى في ذلك الوقت شباب الخبر، وهو النادي المعروف الآن باسم القادسية.
ولعبت في القادسية وتوثقت العلاقة بيني وبين الشقيقين عدنان وعبد الله في النادي والعمل، ولكن عبد الله جمعة لفت نظري لا لأنه كان حارساً مغوارا لمرمى شباب الخبر، ولكن لأنه كان يتمتع بمواهب إدارية قلما تتوافر في غيره من زملاء العمل وزملاء النادي، ولذلك لاحظت أنه كان يتراجع من مرمى القادسية ويتقدم بقوة في مرمى شركة أرامكو، وفى الـ "أرامكو" لمعت مواهبه وتألقت مهاراته وزادت خبراته وارتفعت كفاءاته حتى اعتلى المنصب الأعلى والأكبر.
كان لدى عبد الله شعار يردده ويحفظه عن ظهر قلب وهو إن الإنسان ميسر لما خلق له, وإنه غاية يمكن إدراكها ـ بإذن الله ـ، وكان هذا الشعار يعلو في ذاكرته حينما تدركه الملمات, ويحتاج إلى من يعينه عليها فيردد هذا الشعار، وساعتها يحس بضوء يتوهج من حوله حتى تنقشع الغمة, وتستسلم له كل الملمات.
كانت أخباره المفرحة تصلني عبر زملاء ألتقيهم، وكانوا يجمعون أن عبد الله عاشق للتفوق، باذل الجهد، دائم الحركة باتجاه المناصب العليا..
وهكذا حينما بلغ عبد الله جمعة رئاسة "أرامكو" أصبح التفوق الذي يبحث عنه ليس المنصب فقط, لأنه بلغ أعلى المناصب، ولكن كان يبحث عن تفوق الوطن وتفوق الشركة التي كانت تمثل الوطن حتى حصلت على لقب أكبر شركة بترول في العالم، وهكذا وضع عبد الله جمعة اسمه جنبا إلى جنب مع كبار المديرين التنفيذيين لأكبر الشركات في العالم. وفى جميع مراحل دراسته كان عبد الله يحب أن يجلس في الصف الأول، لأن الأول هو الانطباع الصامت الذي غرسه الله ـ سبحانه وتعالى ـ في عقله ليأخذه إلى مراتب التفوق في كل مناحي حياته، وكان منافساً شرساًَ للنابغين من الطلاب، وفى المدرسة تعلم كيف يرسم طموحه وكيف يراهن على التفوق.
وإذا كانت الشخصية الإنسانية تتصل بجينات العائلة، فإن عبد الله جمعة ينحدر من أسرة أصلها في الأرض وفرعها في السماء، تخاف الله وترمرم العلاقات الطيبة مع الخيران والجيران، حتى تركت أمكنة كثيرة للمحبة والمعروف بينها وبين الناس، ولا يختلف عبد الله عن سمات والده فهو قمحي اللون فارع الطول يلتقي وجهه الباسم مع شفتين غليظتين يشدهما أنف مدبب يقع في المنصب من عينيه التي يشع منها ذكاء وإلماعية لا تعرف حدود السلطة أو المسؤولية، ثم ترتفع جبهته حتى تصل إلى مركز التفكير والعقل، وفى معمل العقل توزن الأمور وتتخذ القرارات، ويتلاحق المشروع تلو المشروع والنجاح تلو النجاح.
وإذا كان الوطن قد ولد محمد جمعة، فإن الوطن بعبقريته وخصوبته الثرية يتمتع بموهبة عظمى وهى موهبة التسامي بالكفاءات وإفراز المواهب القادرة على دفع هذا الوطن حتى بلوغ أعلى درجات التقدم والنمو.
وقبل شهرين ونيف تذكر عبد الله جمعة كل الذكريات الجميلة ودعاني مع الأخ غازي كيال لزيارته في الشركة لحضور حفل ذكرى وتكريم الزمن الجميل، وفى الحفل تحدث جمعة عن ذلك الزمن بكل تفاصيله وكأنه قلادة مازالت تتعلق في جيده ووجدانه, ولم تمحها بهرجة المنصب الرفيع.
والمحصلة إن عبد الله جمعة كان صاحب رؤية وصاحب مشوار وصاحب مشروع، وإذا بعد عنه المنصب اليوم، فإن المناصب لن تبتعد عنه في الغد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي