الأزمة الاقتصادية والمالية تحسم مصير أجندة مفاوضات التجارة العالمية
سارع الأمين العام لمنظمة التجارة العالمية باسكال لامي للاستفادة من التعهدات التي أطلقها زعماء العالم في القمم الثلاث: قمة العشرين في واشنطن، وقمة ليما لدول "الآيبك"، وقمة الدوحة لتمويل التنمية، بشأن إنجاح جولة الدوحة المستمرة منذ نحو ثماني سنوات وذلك بالإعلان عن مسودة جديدة للمفاوضات بشأن الزراعة والسلع غير الزراعية، ودعا 153 بلدا للاجتماع يومي 13 و14 كانون الأول (ديسمبر) أي مطلع هذا الأسبوع لمناقشتها وإقرارها. وقد استبق لامي كعادته الاجتماعات وأطلق صيحات التحذير نفسها التي أطلقها قبيل اجتماع شهر تموز (يوليو) الماضي والذي انتهى بالفشل، من أن الفشل هذه المرة يعني نهاية مصير أجندة الدوحة.
ويرى محللون أن الجانب الأكيد في تصريحات لامي هو أن العالم بات اليوم يمر بأزمة كساد اقتصادي حادة بدأت بالدول الصناعية الرئيسة، إلا أنها آخذة بالانتشار إلى بقية أصقاع العام.
وأبرزت تلك الأزمة بشكل واضح الترابط القائم بكل قوة بين اقتصادات دول العالم الغني والمتوسط والفقير. كما أوضحته تصريحات المسؤولين الصينيين حول تراجع معدلات النمو الاقتصادي في الصين من 11 في المائة إلى 7 في المائة خلال العام الجاري 2008 بسبب تراجع قيمة الصادرات إلى الدول الصناعية.
ويرى هؤلاء المحللون أنه وللخروج من الأزمة الراهنة، لا بد أن تتعافى الدول الصناعية والنامية الرئيسية على حد سواء. فالتنمية والرفاهية في العالم لن تتحقق دون دفع عجلة التنمية في الدول النامية، وعلى الدول الصناعية أن تفي بتعهداتها بتخصيص 0.7 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي لمساعدة الدول النامية، كما يتوجب عليها إزالة الشروط التي ترتبط بالمساعدات لجعلها أكثر فاعلية، كذلك إزالة القيود أمام صادرات الدول النامية. كما يتوجب أن تكون برامج تخفيف الديون ونقل التكنولوجيا إلى الدول النامية سياسات طويلة الأمد.
وقدم كروفورد فالكونر رئيس مفاوضات الزراعة في منظمة التجارة العالمية سفير نيوزيلندا، مسودة مفاوضات جرى تعديلها في هذا الملف. وتمثل هذه المسودة التي صدرت في السادس من الشهر الجاري في جنيف إضافة إلى وثيقة مماثلة للسلع الصناعية مخططا أساسيا لاتفاق إطاري سيقدم للاجتماع الوزاري الذي دعا إليه المدير العام للمنظمة باسكال لامي مطلع هذا الأسبوع. وتتناول أهم التعديلات على النص منذ المسودة السابقة لقطاع الزراعة في العاشر من تموز (يوليو) الماضي والحلول الوسطى التي جرى التوصل إليها في وقت لاحق من ذلك الشهر، الدعم الزراعي والتعريفات وسقفها والمنتجات الخاصة والمنتجات الحساسة وآلية الضمانات والمنتجات المدارية وإلغاء المعاملة التفضيلية.
وتضمن النص الجديد خفض الحد الأقصى للدعم الزراعي من قبل الاتحاد الأوروبي بنسبة 80 في المائة من 110 مليارات يورو إلى نحو 22 مليار يورو (28 مليار دولار) للأعضاء الخمسة عشر قبل توسعة عام 2004 وتقليص الولايات المتحدة سقفها بنسبة 70 في المائة إلى 14.5 مليار دولار من 48.2 مليار دولار وخفض اليابان دعمها بنسبة 75 في المائة. كذلك، تضمنت المسودة الجديدة خفض التعريفات الجمركية في الدول المتقدمة التي تفوق نسبة 75 في المائة بنسبة 70 في المائة وتقليص التعريفات للدول النامية التي تتخطى 130 في المائة بنسبة 46.7 في المائة، وكسائر التخفيضات العامة في التعريفات الزراعية يخضع ذلك لعدة إعفاءات استثنائية. وأوضحت إمكانية اعتبار الدول النامية بعض السلع الزراعية منتجات خاصة لعوامل تتعلق بالأمن الغذائي وتوفير سبل المعيشة أو التنمية الريفية، وتحسب على هذه المنتجات تخفيضات جمركية أقل أو تستثنى من ذلك كلية.
وأبقت المسودة على حل وسط تم التوصل إليه في تموز (يوليو) الماضي وبموجب هذا يمكن إعلان حتى 12 في المائة منتجات خاصة متضمنة 5 في المائة يمكن إعفاؤها من التخفيضات الجمركية، وينبغي خفض التعريفات على المنتجات الخاصة بنسبة 11 في المائة في المتوسط وأرقام أكبر للأعضاء الجدد وبعض الدول النامية تتحفظ على هذه الأرقام.
وفيما يتعلق بالمنتجات الحساسة تستطيع الدول اعتبار بعض السلع منتجات "حساسة" لحمايتها من تأثير خفض التعريفات عموما مقابل السماح لحصة إضافية بتعريفات أقل، وحساب حجم هذه الحصص من أعقد القضايا في المحادثات وذو أهمية حيوية لمصدري المواد الغذائية. واحتوت المسودة على إمكانية إعلان الدول المتقدمة تعريفات بنحو 4 في المائة على منتجات حساسة بينما لا تقبل كندا واليابان بهذا وتطالبان بنسبتي 6 في المائة و8 في المائة على الترتيب. وتسمح آلية الضمانات للدول النامية برفع التعريفات مؤقتا لحماية مزارعيها من طفرة في الواردات وكان اجتماع للوزراء في تموز (يوليو) قد انهار بسبب هذه المسألة.
وفيما يتعلق بمادة القطن لا يتضمن النص الجديد تعديلات في هذا المجال حيث يدعو المنتجون الأفارقة إلى خفض الدعم الأمريكي بدرجة أكبر وأسرع من صور الدعم الزراعي الأخرى. ولم يتم الاتفاق حتى الآن على تعريفات تتجاوز نسبة 100 في المائة سيسمح بها للمنتجات غير الحساسة وتريد هذا الأمر اليابان وسويسرا واليابان وآيسلندا. وتضمن التعديل خفض التعريفات بدرجة أسرع وأكثر حدة على المنتجات المدارية وخاصة من مزارعي أمريكا اللاتينية. وستخفض التعريفات على منتجات بلدان تتمتع بمعاملة تفضيلية في أسواق الدول الغنية وخاصة من المستعمرات الأوروبية السابقة في إفريقيا والكاريبي والمحيط الهادي ببطء أكبر لكيلا تختفي ميزتها النسبية على الفور.
وقال لامي إن النصوص الجديدة تعكس بأمانة وضع المفاوضات. وأضاف نحن أقرب إلى هدفنا بشأن الزراعة والصناعة حجر الأساس لإنجاز دورة الدوحة التي بدأت في نهاية 2001 في العاصمة القطرية.
وتعد المسودات المقدمة لاجتماع الأسبوع المقبل الخامسة التي يعاد تنقيحها منذ عام 2007، حيث شهد العامان الماضيان جولات مكثفة بعدها تقدم مسودات جديدة كما حدث في اجتماعات تموز (يوليو) 2007 ثم شباط (فبراير) 2008 ثم أيار (مايو) 2008 وأخيرا في تموز (يوليو) 2008. وفي كل مرة تنشب خلافات جديدة. وتهدف هذه المسودات الأخيرة بشأن الزراعة إلى التوصل إلى طرائق ومعادلات مركبة يتم بموجبها إلغاء الدعم الزراعي من قبل الدول الصناعية تماما بحلول العام 2013 مع إلغاء جانب مهم من الدعم يتراوح ما بين 60 و70 في المائة مع حلول عام 2010. أما المفاوضات بشأن المنتجات غير الزراعية، فإن الهدف هو إلغاؤها تماما مع حلول العام 2013.
يذكر أن المؤتمر الوزاري الرابع في الدوحة الذي عقد عام 2001 وضع إطارا عاما لجولة جديدة من المفاوضات. كما أمكن للمجلس العام لمنظمة التجارة العالمية التوصل في أول آب (أغسطس) 2004 إلى صفقة تضمنت أسسا عامة لمبادئ المفاوضات وموضوعاتها عرفت باسم حزمة أو صفقة تموز (يوليو) July Package. واحتدمت الخلافات بعد ذلك حول الأسس التي سيتم التفاوض وفقا لها. ونجح مؤتمر هونج كونج الوزاري كانون الأول (ديسمبر) 2005 في التوصل إلى قرارات محددة بشأن بعض مبادئ وأسس المفاوضات وتحديد عدد من التواريخ لإتمام الاتفاق على تفصيلات هذه المبادئ وخاصة بصدد الموضوعات الثلاث الرئيسية في جولة المفاوضات متعددة الأطراف الجارية وهي: الزراعة، الوصول للأسواق للمنتجات غير الزراعية NAMA، وتجارة الخدمات، فضلا عن إضافة موضوع تسهيل التجارة إلى موضوعات المفاوضات.
ولخص مدير عام المنظمة العقبات الرئيسة الثلاث التي تعوق إنهاء جولة المفاوضات في الآتي: الحاجة إلى الوصول إلى تخفيضات أكبر في التعريفة على المنتجات الزراعية من جانب الاتحاد الأوروبي، الوصول إلى معدلات خفض أعلى للدعم الزراعي من جانب الولايات المتحدة، تحقيق معدلات خفض أعلى في التعرفة على المنتجات الصناعية من جانب الدول النامية الصاعدة كالبرازيل والهند والصين وجنوب إفريقيا.