رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


ردم الفجوة الحضارية.. المهمة الأولى للتوجه إلى العالم الأول

ابن البادية المتمدن الذي نشأ وترعرع في إحدى مدن الشمال واستقر به المقام في مدينة الرياض سافر في مهمة إلى سويسرا، حيث تنقل بينها وبين الجنوب الفرنسي في رحلة تجاوزت الحدود الجغرافية إلى الحدود الثقافية ليدخل في صراع فكري جعله يعاني أعراض صدمة ثقافية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فلقد ذهب وهو يرى العالم من منظور راسخ في كيانه على أنه المنظور الأمثل وعاد بمنظور آخر تشكل على أنقاض المنظور السابق الذي أصبح كالعهن المنفوش.
قال لي وهو في حالة تتعدى حالة الذهول: لقد أصبحت أعاني كثرة الأخطاء التي أراها وكثرة المواقف والسلوكيات اللاإنسانية بعد أن كنت أراها عين الصواب. وأصبحت أغرد خارج السرب بعد أن كنت أحد ملحني تغاريد السرب اللاإنسانية.. قال لي ذلك وهو يؤكد أنه لم ينبهر من عمارة أو سيارة أو شجرة أو بحيرة أو طعام بقدر ما انبهر من التطور الحضاري المتمثل في الفكر والسلوك الإنساني الذي كان محمدا وصحبه يدعون إليه ويتمثلونه سلوكا أبهر أبناء الفرس والروم والهند والسند وما يتبع لهما.
وأقول: لقد وقفت وقفة الحائر أمام موقفين متناقضين، الأول تمثل في سرعة تحول العرب من تشرذم وضعف إلى تكتل وقوة عندما تبنوا الفكر الديني، والثاني تمثل في سرعة تحول الغرب من الفقر والضعف إلى الغنى والقوة بعد أن تخلوا عن الفكر الديني، حتى توصلت إلى حقيقة مفادها أن العرب عندما تبنوا الفكر الديني الإسلامي فقد تبنوا منظومة قيم ومفاهيم إنسانية جاءت كتعاليم من الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ وهو ما أدى إلى سرعة نهوضهم وتفوقهم وتسيدهم العالم آنذاك، وكذلك الغرب عندما تخلى عن مسيحية القرون الوسطى الجائرة فقد تبنى منظومة قيم ومفاهيم إنسانية توصل لها مفكرو الغرب نتيجة المعاناة وهو ما أدى إلى سرعة نهوضهم وتفوقهم وتسيدهم العالم في القرنين التاسع عشر والعشرين وربما الحادي والعشرين إذا لم يتخلوا عن هذه المنظومة الإنسانية الحضارية.
المشاريع الحضارية هي مشاريع إنسانية بالدرجة الأولى، والمشروع الحضاري الإسلامي الذي لخصه ربعي بن عامر أمام كسرى الفرس بقوله "جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة" مشروع إنساني بالدرجة الأولى، مشروع قيم ومفاهيم إنسانية تنهض بالإنسان لينهض بالمكان ليعمر الأرض، كما أراد الله له ذلك.
كثير منا يعتقد أننا من دول العالم الثالث ـ حسب مؤشر الاقتصاد أو مؤشر الصناعة أو مؤشر التقنية أو المؤشرات المالية ـ ولا يعلم أن تلك المؤشرات لم تُعتمد كمؤشرات حضارية، على اعتبار أنها مؤشرات تتأثر سلبا أو إيجابا بمؤشر الإنسانية (مؤشر الحضارة الحقيقي). ولا شك أن دول العالم الثالث تعاني انخفاضا شديدا في هذا المؤشر مقارنة بدول العالم الأول التي تمت هيكلتها على أسس إنسانية بحتة تقوم على احترام حقوق الإنسان أيا كان مستواه وفي جميع مراحله العمرية.
الفجوة الحضارية الواضحة بالفرق بين مؤشر الإنسانية في دول العالم الأول ودول العالم الثالث أدت بالتبعية إلى فجوة اقتصادية وصناعية وتقنية وعسكرية، بل وحتى رياضية، حيث نرى جميعا العالم الأول متقدما في جميع المجالات بالنسبة للعالم الثالث الذي تتفاوت فيه الإنسانية من قمة القاع إلى وسطها إلى قاع القاع، كما هو في بعض البلدان التي لا تتعدى فيها مكانة الإنسان مكانة حيوان العالم الثالث، أما حيوان العالم الأول فله من الحقوق ما يحلم بها كثير من مواطني العالم الثالث.
يؤسفني ويؤسف كثيرون من أبناء وطني أننا ورغم إيماننا بما جاء في القرآن الكريم فيما يتعلق بأساس موقفنا من الإنسان حيث يقول سبحانه "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" إلا أننا لا نتخذ من هذا الإيمان منطلقا لتحديد موقفنا من الإنسان الآخر وسلوكياتنا معه بقدر ما نأخذ من اللون أو العرق أو الطائفة أو المنطقة أو المستوى المادي المنطلق الرئيس لتحديد موقفنا وسلوكياتنا منه، بخلاف الغرب الذي أصبح يقول مَن أنت؟ بدلا من أين أنت؟ السائدة عندنا.
هذا الخلل الذي يظن كثير من الناس أنه خلل بسيط في المفاهيم أدى إلى نتائج مؤلمة، حيث دفع كثيرا من العاهات إلى الصفوف الأمامية على حساب الكفاءات التي تراجعت إلى الصفوف الخلفية، وهو ما أدى بالتبعية للحرص على الانضمام للتكتلات أيا كان نوعها بدلا من بذل الجهد للترقي في المعارف والمهارات والخبرات للحصول على الحقوق على قاعدة مَن جدّ وجد، ودون أدنى شك أسهم هذا التخلف الثقافي في تعميق الفجوات الاقتصادية والصناعية والتقنية بيننا وبين دول العالم الأول التي شكل محركها الثقافي قوة جبارة دافعة تفوق قوة محركنا المتواضع بشكل كبير.
الأمير خالد الفيصل صاحب مبادرة مؤسسة الفكر العربي سئم من انضمامنا للعالم الثالث، لاحظت ذلك في خطاباته في أكثر من مناسبة حيث يدعونا جميعا إلى الانتقال للعالم الأول، وهذه بادرة تحسب لسموه وفكرة نسأل الله أن يعينه على ترسيخها في أذهان المسؤولين والمواطنين من خلال مواقعه الرسمية والأهلية. ومما يثلج الصدر أن سموه، كما يهتم بالمادة، حيث يحث الجميع لتطوير منطقة مكة عمرانيا ليكون المكان في وضع أمثل على تطوير الإنسان، فسموه يهتم بالأنشطة الفكرية التي تعيد تشكيل وعي الإنسان كمهرجان سوق عكاظ، فضلا عن أنشطة مؤسسة الفكر العربي التي أعادت تشكيل معارف وقيم ومفاهيم كثير من المفكرين العرب حيال كثير من القضايا.
ختاما، أقول: كلنا يعلم أننا نعيش اليوم تواصلا عالميا لا سيطرة عليه، حيث يتواصل أفراد المجتمع مع العالم من خلال وسائل التواصل الحديثة كالإنترنت والفضائيات ومن خلال التواصل المباشر حيث سهولة السفر والانتقال. ولقد أصبح المواطن أكثر تفكيرا من ذي قبل حيث يطرح أسئلة حيال كثير من القضايا الموضوعات والمشكلات التي كانت في حكم المألوف والعادي، وعلينا أن نجيب عن أسئلته بتطوير مواقفنا الإنسانية من خلال تطوير منظومة القيم والمفاهيم أولا، ومن خلال تطوير الأنظمة والتشريعات واللوائح بما يتوافق والمفاهيم الإنسانية الحضارية ثانيا، وإلا أصبح المواطن في حيرة من أمره وبقينا في عالمنا الثالث الذي نريد الانفكاك منه وإن قدمنا الأعذار والتبريرات التي لم تعد تقنع أطفالنا، فضلا عن شبابنا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي