الركود فرصة لإنجاز التوسعات الإنتاجية
تقوم المنشآت المحتكرة بالترويج إلى كفاءة الاحتكارات في الإنتاج والتوظيف وخفض الأسعار. ولا تصح مثل هذه الادعاءات إلا في حالة نادرة ومحدودة جدا. فالمحتكر يميل إلى رفع الأسعار أو خفض الإنتاج أو تزويد الأسواق بمنتجات رديئة. وتضغط الاحتكارات وأصحاب المصالح لتحديد الدخول إلى الأسواق وقصره على المتنفذين أو عدد محدود لا يفي باحتياجات السوق الحقيقية. وتكثر المطالب خصوصاً في أوقات المصاعب الاقتصادية بوقف منح تراخيص دخول الأسواق أو رفع الطاقات الإنتاجية أو تسجيل المنشآت الاقتصادية في بعض القطاعات التي تعاني مصاعب في تسويق أو بيع منتجاتها. وتستجيب أحياناً بعض الأجهزة الحكومية للضغوط أو المطالب بالحد من منح تراخيص جديدة في بعض الصناعات أو القطاعات المنتجة للسلع والخدمات، وذلك اعتقادا أو مستغلةً فكرة تشبع القطاعات أو الأسواق بالمنتجين، وأنه لا توجد حاجة لمزيد من المنتجين في صناعة أو قطاع اقتصادي معين. ويكثر استخدام ادعاء تشبع الأسواق بالمنتجين في أوقات التباطؤ أو الركود الاقتصادي وتكون تحت ضغوط من ملاك المؤسسات الإنتاجية القائمة في القطاعات الاقتصادية. وتفترض هذه النظرة القاصرة بقاء الاقتصاد في حالة ركود أو تراخ إلى الأبد. والحد من الدخول إلى الأسواق يفترض أيضاً أن المنتجين الموجودين في السوق يتمتعون بكفاءة إنتاجية عالية ويلبون طلب الأسواق وأن مستويات التنافس في الإنتاج وصل إلى مستويات قريبة من حدود الكمال. وينسى دعاة غلق الأبواب أمام دخول منتجين جدد أن هذا المنع يؤدي إلى تراخي المنتجين الموجودين في الأسواق، مما يقود إلى تراجع مستويات الكفاءة الإنتاجية مع مرور الوقت. ويتناسب انخفاض الكفاءة الإنتاجية مع انخفاض عدد المنتجين أو المسوقين.
وتتضخم نتائج منع دخول الأسواق السيئة عند تغير الدورة الاقتصادية وقدوم الطفرة وارتفاع مستويات الطلب على السلع والخدمات، حيث تظهر معاناة المستهلكين في أوقات الطفرة الاقتصادية ويبرز شح وقلة عدد المزودين للسلع والخدمات. ولا تدرك الأجهزة التي تحد من دخول الأسواق أهمية فتح الأسواق لمنتجين جدد في جميع الصناعات والقطاعات لرفع مستويات المنافسة في القطاعات الاقتصادية. والأدهى والأمر أن تتجاهل منافع المنافسة وتلجأ إلى المماطلة في منح التراخيص كأسلوب من أساليب التطفيش أو تأخير دخول منتجين جدد أو فرض شروط شبه تعجيزية لمنعهم من الوجود في الأسواق. وقد شهدت الطفرة التي سبقت ظهور الأزمة المالية العالمية شحاً في عدد من المنتجات والخدمات. وكانت سلع وخدمات الإنشاء والتعمير من أكثر السلع والخدمات التي عانت قلة المعروض بسبب البطء أو القصور في منح تراخيص الإنتاج أو استقدام العمالة أو حتى فتح المنافسة أمام الشركات الأجنبية. وكانت النتيجة ارتفاعا حادا في أسعار وتكاليف مواد وخدمات البناء أدى إلى تباطؤ حركة الإنشاءات قبل بروز الأزمة المالية العالمية. ويمر العالم في الوقت الحالي بتباطؤ اقتصادي ينبغي ألا يدفعنا إلى إغلاق الأبواب أمام دخول منتجي السلع والخدمات الجدد في أي مجال. فهذه الفترة تعد فرصة لتأسيس كثير من الأعمال بسبب انخفاض تكاليف تكوين وبناء المؤسسات في أوقات الركود الاقتصادي، حيث تنخفض أسعار المدخلات الإنتاجية والأجور في أزمنة التباطؤ الاقتصادي. وعلى النقيض مما هو متبع في مجال الأعمال ينبغي أن يستغل وقت الركود الاقتصادي في تأسيس الأعمال الجيدة التي تكون مستعدة لتلبية الطلب المتوقع في حالة عودة دورة الأعمال إلى النشاط من جديد. وستحقق الأعمال التي تستغل فترة الركود في رفع طاقتها الإنتاجية تعظيماً لأرباحها, خصوصاً إذا وافق عودة النشاط الاقتصادي فترة الانتهاء من التوسعات الإنتاجية. إن المملكة ستعود ـ إن شاء الله ـ إلى تحقيق نمو اقتصادي قوي بعد فترة الركود الاقتصادي العالمي. ولهذا فإن من مصلحة الأعمال في المملكة القيام بدراسة إمكانات التوسعات المستقبلية في النشاطات التي سيرتفع عليها الطلب المحلي وحتى العالمي, والقيام بتطوير القدرات الاستشرافية التي تقود إلى تحديد أوقات عودة الطلب بناءً على معطيات علمية رزينة. وعلى المنتجين ألا ينتظروا قدوم الطفرة لتنفيذ توسعاتهم الإنتاجية، وعليهم أن يستغلوا فترة الركود للوصول بإنتاجهم إلى مستويات الطفرة ليتمكنوا من تحقيق أكبر المكاسب عندما تبدأ دورة النشاط الاقتصادي في الارتفاع.