القدس الشريف.. آخر الخرائط يا عرب!!
تساءلت وأنا أطالع آخر الخرائط التي صممها الصهاينة للقدس الشريف وهى تعرض علينا في نشرة أخبار العربية.. كيف يستطيع العرب، بل كيف يستطيع المسلمون، بل كيف يستطيع شرفاء العالم وصناديده تخليص القدس الشريف من قبضة الصهاينة المغتصبين؟!
كان مجرد تساؤل أطرحه على نفسي والألم واليأس يعتصراني ويلبساني من قمة رأسي حتى أخمص قدمي، لأن المُخَلِّص الذي نرجوه أن يُخَلِّصْ القدس من المغتصب مثقل بكل أمراض الانقسام والاختلاف والتشرذم والضعف والهزال، فكيف نرجو منه أن يُخَلِّصْ القدس الشريف الجريح أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين من براثن المغتصب الأشر.
أمام المشهد العربى المؤلم فإن أكثر ما يمكن أن يفعله الإنسان العربي تجاه القدس.. هو أن يشاهد فقط آخر خرائط القدس التي تعرضها الحكومة الإسرائيلية علينا وعلى العالم في تحد سافر وغطرسة بربرية ووحشية ليس لها مثيل.
الخريطة الحديثة التي عرضها الصهاينة للقدس الشريف تشير إلى أن الصهاينة أوشكوا على الانتهاء من الحفريات تحت المسجد الأقصى، وأنهم اقتربوا من أساسات قبة الصخرة والمسجد الذي سيصبح جاهزا للسقوط بمجرد الاقتراب من الأساسات، وأنهم من ناحية أخرى يحضرون لإزالة المسجد الأقصى، ووضع مجسم الهيكل الجديد الذي أصبح هو الآخر جاهزا ليكون الهيكل الذي وهبه الرب شعب إسرائيل!!
وإذا حدث هذا لا سمح الله، وهو يشك – للأسف الشديد – أن يحدث، فإن هذا التغيير الملعون في التاريخ والجغرافيا.. يجعل الإسرائيليين يراهنون على أنهم سيضعون العالم أمام هيكل سليمان (مزعوم !) وأمام ركام مسجد (سابق!) قد تهدم تماماً .
طبعاً هذا السيناريو لم يعد سراً، بل إن إسرائيل تجاهر به صباح مساء كي تختبر ردود الأفعال العربية والإسلامية، وللأسف فإن ردود الأفعال السلبية هي التي شجعت الإسرائيليين على المضي قدما في تنفيذ مخططهم المريب، والسؤال المهم جداً: ماذا سيفعل العرب حينما يجدوا أنفسهم أمام أولى القبلتين وقد تدمرت، وأمام هيكل مزعوم قد نصب وحل محل المسجد الأقصى.
نعم ماذا سيفعل العرب، بل ماذا يستطيع المسلمون أن يفعلوا؟
دعونا نواجه هذه الكارثة بمنتهى الصراحة ونقول إنه لا يوجد في أيدي العرب ما يستطيعون فعله، وكل الذي يستطيعون فعله هو مجموعة بيانات تشجب وتستنكر وتندد سواء من لجنة القدس أو من منظمة المؤتمر الإسلامي، ومن الأزهر الشريف، ومن رابطة العالم الإسلامي، ولا بأس أن يستضيف مقر جامعة الدول العربية في القاهرة وزراء الخارجية العرب ليجتمعوا ويصدروا المزيد من بيانات الشجب والاستنكار والتنديد، ولا بأس كذلك أن تبادر منظمة المؤتمر الإسلامي وتدعو وزراء خارجية الدول الإسلامية إلى اجتماع طارئ يصدر هو الآخر مجموعة من بيانات الشجب والاستنكار والتنديد .
بمعنى أن التحرك العربي والإسلامي سيكون في إطار بيانات شجب واستنكار وتنديد، بينما تكون إسرائيل قد استكملت وضع كامل نفوذها على كل أنحاء مدينة القدس، وتكون قد أزالت أكبر الآثار الإسلامية في القدس الشريف وهو المسجد الأقصى، وتكون – كذلك – قد رتبت مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي واليابان قضية نقل سفاراتهم إلى القدس اليهودية.
أما العرب والمسلمون فإنهم سيمضون في ترديد الأسطوانة إياها.. أسطوانة الشجب والاستنكار والتنديد لمدة شهر.. شهرين.. سنة وإلى آخر السنين.
والغرب يدرك مضمون هذه الأسطوانة فيترك العرب يثرثرون ويرددون الأسطوانة حتى يفشوا غلهم، وبعد فش الغل.. تنتهى الفقاعة ويستطعم العرب الطعم، ويتأقلموا مع الوضع الجديد كما تأقلموا مع وضع احتلال إسرائيل لمئات المدن والقرى والنجوع حتى الاحتلال الكامل لكل الأراضي الفلسطينية .
وإذا افترضنا - فى أحسن الأحوال – أن الحمية العربية تجاسرت مع الحمية الإسلامية وهددت بخوض حرب مسلحة ضد إسرائيل، فإن الغرب – الذي صنع إسرائيل ودعمها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه – لن يسمح بالحرب ويدعو كل الأطراف إلى ضبط النفس والهدوء والجلوس إلى مائدة المفاوضات لبحث القضية!
وبذلك يعود العرب مع الإسرائيليين إلى المربع الأول للتفاوض، وتطرح عليهم خريطة طريق جديدة تقل كثيرا عن خريطة الطريق التي وضعت أمامهم في عام 1947، أو لنقل أن الولايات المتحدة مدعومة من الاتحاد الأوروبي سيضعون مرة أخرى أمام العرب مشروع الشرق الأوسط الجديد.. وهو مشروع يراد منه تقطيع العرب إلى دويلات، وبذلك يجد العرب أنفسهم في مواجهة تقطيع في فلسطين وتقطيع أكبر في كل الدول العربية.
ولذلك إذا كانت خرائط الطريق السابقة صعبة على العرب، فإن خريطة الطريق بعد ضياع القدس ستكون أكثر صعوبة، بل ستضع العرب أمام خيارات صعبة جداً تتهدد أمنهم واستقرارهم بل تتهدد وجودهم.
وبالأمس القريب كانت أمريكا تتهدد العرب بشرق أوسط جديد، وتقول صراحة أنها تريد إعادة تشكيل وتقسيم دول الشرق الأوسط ابتداء من احتلال العراق وتقسيمه، ثم تقسيم سورية حتى إنشاء ثلاث دول في مصر وهي ما أسمته بالجائزة الكبرى.
ولذلك لا أتصور أن إسرائيل ستكتفي باحتلال القدس بالكامل، بل ستخوض حربها الأخيرة للقضاء على الشقين والشقيقين الإخوة الأعداء حماس وفتح اللذين واجها الخطر الصهيوني بمزيد من الانقسامات واستخدام السلاح ضد بعضهما بعضا، وهكذا ستصبح كل فلسطين أرضاً إسرائيلية.
وإذا حدث هذا لا سمح الله وهو – كما يبدو في الأفق – أقرب إلى الحدوث، فإن سورية لا تقوى وحدها على مقارعة إسرائيل والغرب، فتضطر إلى البحث عن صيغة ما للسلام الإسرائيلي الدائم والشامل!
إن الدفاع عن المقدسات فريضة ملزمة لكل مسلم ومسلمة، ولذلك المطلوب من كل مسلم أن يدرك أن مسؤولية تحرير القدس ليست مسؤولية أشخاص بعيونهم، بل هي مسؤولية كل إنسان مسلم، وعلينا أن نقدر الأمور جيداً ولا نترك القدس تذهب بعيداً عنا، ويجب أن ندرك أننا إذا استهنا بحقوقنا في القدس، فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ سيحاسبنا على هذه الاستهانة وينزل غضبه وعقابه علينا جميعا. ولذلك يجب أن نستنهض الهمم لحماية القدس من رجس الصهاينة ويجب ألا نسلم القدس الشريف سهلة إلى حفنة من الأشرار ممن لا يستحقون هذا المكان الطاهر الجليل.
إن سيدنا عمر بن الخطاب وأحفاده وأحفاد أحفاده ـ رضي الله عنهم ـ قد سلمونا القدس حرة عزيزة شامخة، وأرجو أن نتأسى بالخليفة الفاروق حتى لا يقول التاريخ إن جيل اليوم وأد القدس وفرط في حريتها وعزتها وكرامتها وسلمها هدية مجانية لشرذمة من الصهاينة الصعاليك.