شد الحزام والاستعداد للطفرة المقبلة
لا شك أننا نعيش ركودا اقتصاديا عالميا خطيرا وغامضا لا يمكن معرفة تبعياته أو نهايته. ولكن الأمر بالنسبه لنا ليس بذلك السوء فهذه الفترات سبق أن مرننا بها عدة مرات للسنوات السابقة. وهي فترات تدور علينا كدوراتها المعهودة كل 30 على 50 عاما. والواضح أن هذه الأزمة الاقتصادية كان لها مسبباتها وهي التلاعب في التنظيمات المالية والتضخم والمغالاة غير المبررة للسلع والأجور. والسبب الآخر أن جميع الخطط الذي توضع عادة لتنمية الاقتصاد توضع كل 30 إلى 50 عاما للوصول إلى أهداف معينة. وبعد الوصول إلى تلك الأهداف وتحقيقها تنتهي تلك الخطط فتؤدي إلى الركود لحين وضع خطة أخرى للسنوات المقبلة على الرغم من تلك الخطط يتم تجديدها كل فترة إلا أنها تصب في الجل نفسه. وهي أيضا ستكون لتلك السنوات المقبلة وبعد تحقيق أهدافها يحدث الركود القادم. وهذه الأسباب في مجملها سببت الذعر لدى المستهلك ما جعله يزيد الوضع سوءا أو يزيد الطينة بلة.
على أي حال رب ضارة نافعة, وكما أشرت في مقال الأحد الماضي, أن هناك جانبا مضيئا أو إيجابيا لهذا الركود الاقتصادي وهو أن بعض المواطنين سيستفيدون من انهيار الأسعار للحصول على احتياجاتهم بأسعار في متناول أيديهم. كما أنها فرصة لبعض الدول لشد الحزام والتخطيط لأخذ مقاعد في قطار الاقتصاد العالمي أو كرسيا في لعبة الكراسي الدوارة.
واليوم أؤكد مرة أخرى ذلك بأنها فرصتنا للانطلاقة العالمية وأن نستغل هذه الفترة من الركود لبناء لاستكمال الأنظمة المعطلة لدينا لنكون جاهزين للانطلاق عند بروز الطفرة الاقتصادية المالية والعقارية التي ستأتي قريبا سواء بعد سنتين أو خمس أو عشر, ولكنها حتما ـ بمشيئة الله ـ ستأتي.
والتخطيط لتلك الطفرة القادمة يجب أن يسير على قدم وساق وألا نتكاسل وننام لحين وصول الطفرة كما هو الحال عادة. حيث يتعذر بعض المسؤولين والمواطنين بهذا الركود ويضيعون الوقت في الحسرة والندم على ما فات بدلا من التفكير فيما يجب إعداد العدة والاستعداد له لنكون جاهزين للطفرة القادمة.
وأن نركز على الاستفادة القصوى من ثرواتنا الطبيعية ومواردنا البشرية. وهما عنصران بدأنا المشوار فيهما خلال الفترة الماضية. سواء ببناء الشركات للثروات وتتنميتها أو تنمية الموارد البشرية والتعليم والابتعاث. لذلك فإننا يجب أن نواصل المسيرة وألا نبخل عليهما أو نقصر في البناء.
ومن أهم الثروات التي لم نستغلها بالطريقة الصحيحة هي الموارد البشرية النسائية. والتي كان ولا يزال موضوع الاستفادة منها معطلا وهو أمر ضروري للتخلص من العمالة الأجنبية وأذاها وأمراضها التي غزتنا. وأن تدفع الرواتب والمصروفات لبناتنا بدلا من دفعها للأجانب والتدور في بلدنا.
الاستفادة من الموارد البشرية النسائية أمر يجب أن نقف عنده كثيرا هذه المرة وأن يزول الاعتقاد المتخلف عنها. والخوف أن المرأة عندما تعمل ستجلب العار والفساد, بينما العار والفساد قد يصدران من الجنسين سواء الرجل أو المرأة, بل إن بعض الرجال أكثر فسادا, فهم لا تتم مساءلتهم.
في معظم الدول الإسلامية نجد المرأة تعمل سواء في المستشفيات أو المطاعم أو قيادة سيارات الأجرة للنساء فقط. وتجربة إيران في سيارات الأجرة للنساء خير برهان. بدلا من ركوب نسائنا مع رجال أجانب سواء من باكستان أو الهند وغيرهما.
خلال هذا الركود الاقتصادي ستكون هناك فرص استثمارية كبيرة لمن يدرسون الأوضاع ويحاولون اقتناصها. سواء في سوق الأسهم أو العقارات أو الشركات. فجميع تلك الأنشطة وصلت وقد تصل إلى منتهاها خلال الأشهر المقبلة, ومن يفوز بتلك الفرص فإنه سيكون محظوظا.
ولكن الأهم هنا هو أن نسعى خلال هذه الفترة إلى استكمال جميع الأنظمة والقوانين التي نمنا عليها لعقود ثم تحركنا فيها خلال الطفرة السابقة والآن ننام عليها مرة أخرى كالعادة, ولا نستيقظ إلا بعد وصولنا إلى الطفرة القادمة أو قبل انتهائها.
الحلقات المفقودة في اقتصادنا كثيرة والتنظيمات غير المكتملة أكثر وهي تشمل:
1- نظام الرهن العقاري.
2- اعتماد كود البناء السعودي.
3- اعتماد نظام التسجيل العيني للعقار لحل مشكلات ازدواجية الصكوك ولتسجيل المباني على الأراضي.
4- نظام وقانون لحماية المستثمر العقاري ممن لا يدفعون العقار ولا يمكن إخلاؤهم من العقار, الذي يجعل المستثمرين يحجمون عن بناء المساكن.
5- إنشاء هيئة لأبحاث ودراسات الإسكان والبحث العلمي المتخصص في الإسكان.
6- إنشاء بنك للمعلومات العقارية والإسكانية وعلاقتها بالخصائص السكانية والديموجرافية والمعلومات الهندسية.
7- تكوين شركات التمويل, خاصة المدعومة من الدولة لحل مشاكل الإسكان للفئات غير القادرة عليه.
8- نظام التأجير المنتهي بالتمليك.
9- وضع مخططات شاملة للمدن ومخططات مكتملة البنية التحتية والأحياء المتكاملة من الخدمات وتخصيص أجزاء منها لتكون بأسعار ميسرة للمواطنين.
10- تحديث نظام الصندوق العقاري والرفع من قدراته ليشارك مع بعض البنوك المحلية في مضاعفة قيمة القرض الحالي الذي يعجز عن توفير المسكن (أرض وقرض).
11- إنشاء شركات عقارية مساهمة متخصصة في بناء المساكن وبكميات كبيرة في مواقع مختلفة من مدن المملكة. وأن تقوم هي بتطوير الأراضي وتوفير الخدمات ثم البناء عليها أحياء متكاملة ومن ثم توزيعها على المحتاجين وفق قروض ميسرة.
12- إعداد دراسة لعدد السكان لكل شريحة من شرائح الطلب على الإسكان. كم عدد محدودي ومتوسطي الدخل الذين نحاول أن نسدد ونلبي رغباتهم حاليا ومستقبليا.
13- تحديد مواصفات قياسية موحدة لمواصفات البناء وبحيث تكون مقاسات الأبواب والنوافذ والمقابس والوحدات الميكانيكية والصحية وحتى الحوائط والأسقف، وغيرها موحدة وبذلك يسهل ويرخص توفيرها، مما يقلل تكلفة البناء.
14- إيجاد تكتلات عقارية واندماجات بين الشركات المحلية والعائلية.
15- تسخير ميزانية للبحث العلمي ومراكز الأبحاث, خاصة الإسكان.
16- الاستفادة من دخول الشركات العالمية وفرض عليها تدريب وتعليم الكوادر السعودية لاكتساب ونقل التقنية والمعرفة وليس فقط السعودة في وظائف (هايفة) وهامشية.
17- فرض رسوم أو ضرائب مجزية على الشركات العالمية وأفرادها للعمل والمعيشة مع وضع آلية لعدم احتساب ذلك لرفع عقودها أو مرتباتها.
18- توفير قاعدة معلومات موحدة ومركزية لإحصائيات العقار وتكون مربوطة بكتابات العدل والأمانات وشركات الخدمات.
وهذه التنظيمات فيض من غيض وجزء من منظومة أخرى يجب النظر فيها والاستفادة من هذه الفترة من الركود وتفرغ الموظفين والمسؤولين لشد الحزام أو ربط الأحزمة, فنحن مازلنا في المدرج وننتظر الإذن لنا من برج المراقبة للإقلاع للطفرة المقبلة.