حتى لا نغتال فرحة العيد بفكر المنع..!

الإنسان أسير المألوف والتفكير النمطي يأنس إلى ما اعتاد اليه ويهاب التغيير، تارة لعدم المعرفة بالبدائل والخيارات المتاحة وتارة تقيده الأعراف والتقاليد ونظرة المجتمع من حوله. المستغرب منه أن يكون ذلك في المجتمعات الإسلامية التي يحثها دينها على التفكر والتجديد والبحث دائما عن الأفضل وتحسين الحال بما ينفع الفرد والمجتمع على حد سواء. بل إن السبب الرئيس وراء انتشار الإسلام قديما وحديثا رؤيته وفلسفته للحياة في أنها مزرعة الآخرة والجد والاجتهاد داخل إطار ثقافي واضح المعالم يحفظ التوازن بين احتياجات الإنسان المادية والروحية في انسجام تام وتداخل بديع لا يكاد ينفك أحدهما عن الآخر! وهذا ما يصعب على الكثيرين فهمه وإدراكه فلا انقطاع عن الدنيا ولا تبتل دائم للآخرة، وإنما العمل بمقتضى الشرع الحنيف الذي تتحول فيه الأعمال والنشاطات والسلوكيات الدنيوية بالنية الصادقة العفيفة إلى أعمال خيرية يثاب عليها صاحبها ويؤجر. إن الإسلام يبيح الاستمتاع بملذات الدنيا في حدود ما شرع الله ولا يحرمها قطعيا بل إن الأصل الحل في جميع الأمور. الإشكالية في أن البعض يخلط بين ما هو مقرر شرعا وما تمليه الأعراف والتقاليد التي هي تراكمات التجربة الإنسانية فيها الغث والسمين ولربما كان بعضها يتعارض مع القيم والمبادئ الإسلامية، والأمثلة في ذلك كثيرة ومتعددة خاصة فيما يتعلق بالسلوك الاقتصادي من إسراف وبذخ غير مبرر وعلاقات اجتماعية مبنية على التفاخر والتكبر على الآخرين إلى المعاملات المالية غير الشرعية. السلوكيات الفردية السلبية والعادات السيئة استمرأت ولم تلق الاعتراض من الآخرين وأصبحت جزءا لا يتجزأ من ثقافة المجتمع، بينما نجد أن الأنشطة والفعاليات العامة على مستوى المجتمع تكون دائما تحت المجهر وتخضع للتدقيق والفحص. إنها مسألة في غاية الغرابة كيف يتم التهاون والتساهل في جوانب السلوكيات الفردية والجماعية التي تعد المكون الأساس للبناء الاجتماعي وعبرها تتشكل الأنماط الاجتماعية والصورة العامة للمجتمع؟ في حين توضع العراقيل والحواجز أمام الأنشطة العامة الرسمية وشبه الرسمية التي قد تكون آلية فاعلة في تحريك المجتمع نحو أهداف أسمى، والإسهام في تعديل سلوك الأفراد ورسم هوية إسلامية متجددة بروح العصر تؤكد قيم الإنتاجية والوقت واحترام القانون. لقد حان الوقت للتفكير بإيجابية ورؤية مستنيرة ونظرة متعقلة تضمن تماسك المجتمع على أسس واعية وإجراءات واضحة وآليات تربط بين المعطيات والنتائج ومعايير موضوعية رشيدة مبنية على قيم ومبادئ الإسلام العظيمة الذي يأمر اتباعه في التفكر الدائم وإعمال العقل والبحث عن الحكمة وتحقيق الأفضل، يقول تعالى "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ". فهناك غاية تحكم السلوك وتوجهه بوعي وإرادة تامة وإدراك لما ينبغي عمله وليس انسياق إمعات وراء المألوف والتوقف عن التفكر، فكل شيء في الكون خلق لسبب ومقصد ويتبع أن يكون سلوك الإنسان سلوكا موجها نحو هدف محدد يحقق عبودية الله بمفهومها الواسع الشامل. ولذا يكون من الأجدر البحث عن صيغ جديدة للتفاعل الاجتماعي في إطار الثوابت الشرعية والوطنية تقوي الاجتماع وتدفع به نحو آفاق أرحب من النضج والتحضر الإنساني وتحقق القوة والمنعة للأمة. في الماضي القريب كان هناك من يقف ضد توظيف تقنيات الاتصال في الدعوة إلى الله وتعليم الناس أمور دينهم ليس ذاك فحسب بل حتى معارضة تعليم الفتيات ليصبحن أمهات واعيات مثقفات يسهمن في تربية الأجيال والإعداد لجيل يستطيع مواجهة التحديات. بطبيعة الحال لولا أصحاب الفكر المستنير والقيادة الحكيمة وحرص ولاة الأمر والسياسات الحكومية الفاعلة لمكثنا حتى اليوم نناقش قضايا هي من المسلمات في التنمية الاجتماعية.
الحقيقة التي يجب أن ندركها هي أن قوة الأمم لم تكن في يوم من الأيام بقوة أفرادها ولكن بقوة نظامها الاجتماعي الذي يخلق مناخا عاما للإنتاج والبذل والعطاء عبر تحقيق معادلة حرجة ومهمة بين الحرية الشخصية والسلوك الفردي من جهة والمصلحة العامة والانضباط العام من جهة أخرى. إن من شأن ذلك إيجاد أفراد أقوياء متعاونين تتوجه جهودهم وطاقاتهم نحو هدف مشترك يعود بالنفع العميم على الجميع. كثيرة هي شواهد التاريخ التي توضح أسباب سيادة أمم وتراجع أخرى وقد يكون من أهمها توافق القول مع العمل أي الانسجام بين النظرية والتطبيق، فالنظم الناجحة التي يكون فيها اقتناع وتشرب للقيم تتحول إلى سلوك للأفراد والجماعات بانسجام تام. ولذا نجد أن الإسلام يذم هذا التناقض بين القول والعمل وأنه يقود إلى التفكك وعدم الانتظام الجماعي وضعف المجتمع يقول تعالى "يَا أَيهَا الذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تفعلون, كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ، إِن اللهَ يُحِب الذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنهُم بُنيَانٌ مرْصُوصٌ". هكذا إذا الإسلام يدفع اتباعه نحو خوض تجارب جديدة وجهاد النفس ومقابلة التحديات والنهوض بالهمم والعمل الجماعي، فالعمل والسلوك دليل على صدق القول والنوايا. إن الإسلام لا يريد أن يستغرق الناس بالتنظير دون العمل أو التفكير الذي يفتقد الحكمة ولا يقود للتطبيق. إنها الحلول والمعالجات والآليات العملية في التعامل مع القضايا والمشكلات الاجتماعية التي تتناسب مع روح العصر التي تؤدي إلى التقارب بين النظرية والتطبيق. النظرية الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان بشرط أن يتم تطبيقها بما يتفق مع المعطيات والمستجدات وألا تقع حبيسة فكر متحجر يفتقد الإبداع والابتكار.
إن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جوهره يقتضي المبادرة إلى عمل المعروف والتشجيع عليه والبحث عن جلب المنفعة وما يصلح أمور الناس وفي الوقت ذاته التحسب للوقوع في الخطأ. إنه عملية تعليمية القصد منها إحداث التغيير ورعايته من الخطأ والبقاء في دائرة الصواب. إن خيرية الأمة وتفوقها مرهون بتحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مفهومه الواسع الشامل لكل مناحي الحياة باعتماد الفعل الإيجابي والمعلومات المرتدة والتصحيح والمعاودة مرة أخرى وهكذا دورة مستمرة من التعلم وخوض تجارب جديدة وبناء خبرات تراكمية متميزة للوصول إلى مراحل أكثر نضجا. من الخطأ اختزال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في دائرة ضيقة جدا وسلبية وردود أفعال يسيطر عليها فكر المنع والإلغاء وذلك ضد التجديد الذي هو آلية أساسية للنهوض بالأمة وتطويرها.       
الاحتفال بالعيد قد يكون أحد التظاهرات العامة التي نشهدها كل عام ونشهد معها لغطا كبيرا وجدلا غير مبرر حول الفعاليات والأنشطة العامة. إن تطوير أساليب جديدة للاحتفال بالعيد أمر تقتضيه المصلحة العامة ومطلب اجتماعي لمنح الناس المتعة والترفيه البريء وبما يكفل جذب الناس واحتضانهم داخل إطار شرعي محبب لنفوسهم ويستجيب لاحتياجاتهم. الرسالة التي يجب أن نبعثها هو أن في ديننا فسحة وأن هناك الكثير الذي يمكن عمله لإسعاد الناس وزيادة فرحتهم بالعيد كمناسبة جماعية تتطلب أنشطة جماعية وفعاليات مشتركة فيما لا يتعارض مع القيم والمبادئ العامة للإسلام. إذا لم نقم بإسعاد الناس عبر وسائل شرعية ممتعة ومبتكرة فيخشى أن يقعوا في المحظور وينساقوا وراء الترفيه الهابط. إن على المصلحين والغيورين على الدين والمجتمع أن يبادروا في ملئ الفراغ قبل أن يملؤه غيرهم وهم في غفلة منشغلون بالمنع دون تمييز ودون المبادرة في إيجاد حلول إسلامية عصرية تلبي احتياجات الناس ولا تغتال فرحتهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي