رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الحياد الممقوت في سوق الأسهم

أثرت الأزمة المالية العالمية في معظم دول العالم. وتركز تأثيرها في المملكة في تدني أسعار النفط والذي خفض إيرادات القطاع الحكومي وأدى إلى هبوطها إلى نحو نصف مستوياتها القياسية. أما القطاع الأسري في المملكة فقط تأثر هو الآخر بالأزمة العالمية، عندما انهارت السوق المالية في المملكة وتراجعت بشكل جنوني إلى مستويات متدنية لم يتصور أحد قبل عام أن تصل إليه. فقد تدحرج المؤشر بشكل سريع وفقدَ نحو 65 في المائة من قيمته منذ بداية العام. ونتج عن انخفاض مؤشر الأسهم فقدان ملايين الأسر في المملكة لمئات المليارات من الريالات تمثل نحو 65 في المائة من ثرواتهم المستثمرة في الشركات المساهمة، والتي تمثل بدورها جزءا لا يستهان به من إجمالي ثروات الأسر والأفراد. ولا تتوافر أي معلومات أو تقديرات عن حجم ثروات الأسر، ولهذا يصعب تحديد نسبة الثروات المستثمرة في سوق الأسهم من إجمالي ثروات الأسر. وقد يصل أو يتجاوز إجمالي قيمة استثمارات الأسر السعودية في الشركات المساهمة خمس ثرواتها الإجمالية. وإذا صح هذا التقدير فإن الانهيار الأخير في سوق الأسهم تسبب في فقدان الأسر ما نسبته 13 في المائة من ثرواتها الإجمالية في عام 2008م. وسترتفع هذه النسبة مع ارتفاع نسبة الأسهم في ثروة أي أسرة وتنخفض مع انخفاضها.

إن شعور الأسر (والأفراد) بفقدان جزء من ثرواتها سيدفعها إلى الإحجام عن الإنفاق على بعض السلع والخدمات أو خفض مستويات الإنفاق عليها. وسيقود الانخفاض في الإنفاق الأسري إلى تراجع النشاط الاقتصادي, وإذا تفاقم فسيقود إلى الركود. وستتوقف درجة خفض الاستهلاك على حدة الانخفاض في دخول الأسر. وقد هبت معظم دول العالم المتأثرة بالأزمة المالية إلى توفير الدعم للقطاعات المالية للحد من تأثيراتها السلبية في الاقتصاد الحقيقي. وخصصت الدول الكبرى اقتصاديا مئات المليارات من الدولارات لإنقاذ أسواقها المالية. وتضمنت برامج الدعم خصوماً ضريبية لمنح المواطنين دخولاً إضافية لتعويضهم عن بعض ما خسروه نتيجةً للأزمة المالية. أما في المملكة فيبدو أن أصولي السوق لم تحرك فيهم أزمة انهيار أسعار الأسهم المحلية ساكناً، وكأن هذه الأزمة تحدث خارج المملكة أو في كوكب آخر ولا تهمهم في شيء. وتتلخص وجهة نظرهم في ترك الداخلين في السوق يتحملون نتيجة تصرفاتهم. وهذا الأمر قد يبدو معقولاً ومقبولاً في الظروف العادية، ولكن الجميع يعلم أن انهيار سوق الأسهم كان متأثراً بدرجة كبيرة بأحداث الأزمة المالية العالمية، ولا يمكن ترك الأسواق تحل المشاكل التي تسببت هي فيها. ويتناسى أو يتجاهل هؤلاء الحقائق الاقتصادية التي تأكدت مع الأزمة الحالية والتي أهمها فشل الأسواق الذريع في حل المعضلات الاقتصادية، وخصوصاً في أوقات ذروة الأزمات الاقتصادية. وبات العالم كله يدرك أن تدخل الدولة أمر ضروري وحتمي ومطلوب لإنقاذ الأسواق والمتعاملين في أوقات الهلع. فهل علينا ترك السوق المالية تنهار لأن الإدارات المسؤولة عنها لا تشعر بضرورة التدخل أو لا تعرف كيفية وتوقيت التدخل أولا تتقن أساليب الإنقاذ. وقد تحركت مؤسسة النقد بخطوات بطيئة لتعزيز السيولة بعد حدوث الأزمة المالية واستمرار التشدد النقدي في تجفيف الأسواق من السيولة. ووصلت قمة التجفيف عند نشوب الأزمة واشتداد وطيسها. أما هيئة سوق المال فهي بطيئة في تبني محفزات الاستثمار وتمشي بخطى بطيئة للتعامل مع الأزمة. فمنذ بدأت الأزمة لم تتخذ الهيئة أي إجراء محفز لتدعيم الاستثمار والتي من أهمها السماح للشركات بشراء أسهمها أو إلغاء تحديد نسب التغير في أسعار الأسهم، والتي أثبتت فشلها في منع هبوط السوق. وعملت نسب 10 في المائة مع مرور الوقت على رفع مستويات المخاطر في الأسواق، حيث استغل المتلاعبون في السوق هذه النسب لتصريف أو تجميع الأسهم. من جهةٍ أخرى مازالت الهيئة عاجزة عن وقف المتلاعبين في أسواق المال، فرغم الانهيارات الكبيرة في السوق لم تتم معاقبة أي متلاعب رئيس في السوق. أما الجهات الاستثمارية والصناديق العامة في المملكة فهي تتدخل باستحياء في السوق، ولم نر أي تحرك جوهري لإثبات الثقة بالأسواق. وكأن هذه الجهات لا تريد التأثير في تقلب الأسعار التي أفسدت بيئة الاستثمار في سوق المال. لقد مل المساهمون من كثرة الخسائر وتدنت الثقة في سوق الأسهم إلى مستويات منخفضة جداً مما يهدد بانهيار السوق ما لم تتدخل الجهات الرسمية لإنقاذها.
ولا أعتقد أن المنطق الاقتصادي يدعم فكرة وقوف الحكومة أو الجهات الرسمية على الحياد في أوقات الانهيارات والأزمات المالية. وتملك الحكومة والجهات الرسمية الأخرى الموارد والأصول الكافية لإنقاذ السوق، إضافة إلى ملكيتها لنحو ثلث إجمالي القيمة السوقية للأسهم. وإذا تخلت الجهات الرسمية عن دعم سوق الأسهم فإنها تتخلى أيضاً عن دعم جزء كبير من ثرواتها، فهل هذا منطق مقبول أو سليم. وأنا على ثقة أن الجهات الرسمية لم تستثمر في الشركات المساهمة، إلا وهي متأكدة أنها شركات ناجحة وتعمل بشكل جيد ومؤهلة لتحقيق أرباح جيدة على الأمد الطويل. وتتحمل الجهات الرسمية مثل هيئة سوق المال ووزارة التجارة مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه ملاك الأسهم لأنها سمحت بتسجيل الشركات المساهمة، واعتبرها الجميع نتيجةً لذلك شركات حقيقية وناجحة. أما إذا كانت هذه الشركات غير جيدة فلماذا يسمح أصلا بطرحها في سوق الأسهم وتم تسجيلها وتداولها في السوق. كما تتحمل الجهات المنظمة مسؤولية تسعير أسهم الشركات المطروحة للاكتتابات العامة والتي اتضح أن الكثير منها مبالغ فيه.
ومع كل التأكيدات الصادرة من الشركات المساهمة وبعض الجهات الرسمية والخاصة والتي تؤكد أن الاقتصاد الوطني بخير (وهو بخير) وأن وضع الشركات المساهمة جيد، لا توجد شواهد قوية على مبادرة الصناديق العامة والجهات الرسمية للاستثمار فيها. فالتصريحات وحدها لا تكفي, ولكن يجب أن تتبع بتصرفات إيجابية تثبت صحة التصريحات، حيث يمكن لصناديق الاستثمارات العامة توجيه جزء من استثماراها الضخمة إلى السوق المحلية بدلاً من وضعها في ودائع خارجية منخفضة العائد. فاستثمار هذه الفوائض في الأسواق المالية المحلية سيخدم الاقتصاد المحلي والجهات المستثمرة في الدرجة الأولى, ولن يكون فقط من أجل عيون المستثمرين الصغار أو الضعفاء. وستحقق الجهات المستثمرة مكاسب مالية مستقبلاً وتتصدى في الوقت نفسه للمتلاعبين والمستغلين لسوق الأسهم.
وتتحمل الجهات الرسمية مسؤولية وقف انهيار سوق الأسهم ومنعه من التسبب في حدوث ركود اقتصادي محلي في القطاعات الخاصة غير النفطية. إن الحياد الممقوت يحدث عندما تترك من تحب يغرق أمامك وترد على صيحات استغاثته أن الذنب ذنبه لأنه لم يتعلم السباحة. وهذا شبيه إلى حد كبير فيما يحدث في سوق الأسهم المحلية في الوقت الحالي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي