يا أثرياء بلادي .. لنقل للعالم لا مال من أجل المال
يروي لي أحد الأصدقاء أن أربعة إخوة ورثوا بعد وفاة والدهم بضعة ملايين وذهب كل منهم يحث الخطى لتنمية أمواله حيث تركوا وظائفهم وتفرغوا لأعمالهم التجارية التي أخذت جل أوقاتهم وبدأوا في تحقيق نتائج مالية باهرة حيث تضاعفت أموالهم في فترة وجيزة إلا واحدا منهم يعمل مهندسا في إحدى الوزارات بقي في وظيفته يذهب صباحا ويعود بعد الظهر ويجلس مع أبنائه ويتابع تحصيلهم العلمي وشؤونهم اليومية ويصل أرحامه ويتواصل مع جيرانه، فصلح شأنه وشأن أسرته كما صلحت علاقاته مع الآخرين, فضلا عن نجاحه في وظيفته التي يتدرج بها وظيفيا.
لم يٌعجب إخوانه حاله فجاءوه طالبين منه ترك هذا الروتين والعمل معهم في التجارة، فكان سؤاله لهم: لماذا التجارة؟ فقالوا له من أجل أن تزيد أموالك التي بقيت كما هي إن لم تكن قد نقصت، فكان السؤال الكبير: ولماذا أزيد أموالي وهي تكفيني لتحقيق أهدافي وزيادة؟
وأضاف أن المال يا إخوتي وسيلة لتحقيق الأهداف، وأهدافي بسيطة جدا وهي أن أوثق علاقتي مع أسرتي وأرحامي وجيراني وأن أنجح في وظيفتي وأن أربي أبنائي تربية حسنة وأسلحهم بالعمل والأخلاق لمواجهة ظروف الحياة، وما لدي من المال من دخلي الشهري ومما ورثته من والدي يفي بذلك وزيادة, فلدي المسكن الملائم والسيارات المناسبة, وأبنائي يدرسون في مدارس متميزة, وأتواصل معهم يوميا ويحققون نجاحات مقدرة، كما أني أتصدق بفضل مال على أرحامي وجيراني والسائل والمحروم.
وأردف قائلا: أما ما حققتموه من زيادة في مالكم فإنني لا أرى له أثرا في حياتكم، فأنتم بالكاد ترون زوجاتكم وأبناءكم، وبالكاد تجدون وقت الراحة، كما أنني لم أسمع منكم عن غايات تودون تحقيقها من هذه الأموال التي تسعون إلى جمعها، فهل تجمعون المال من أجل المال والغنى على حساب كل شيء؟ أم أنكم تجمعون المال لأهداف أكبر من أهدافي كمعالجة لمشكلة اجتماعية أو مكافحة مرض أو المساهمة في تحقيق نهضة وطنية أو .. إلخ؟
وأقول إن هذا الرجل أوتي من الحكمة ما لم يؤتها غيره, فالمال وسيلة مرتبطة بأهداف، وإن كان المال غاية بذاته ذهبت بركته وأصبح وبالا، ولا شك أن صاحبنا هذا على حق وكذلك كل من ربط غاياته بأهدافه المالية، نعم فكلما كبرت الغايات من شخصية إلى عائلية إلى مجتمعية إلى وطنية إلى إقليمية إلى عالمية زادت الأموال المطلوبة لتحقيقها.
ديننا الإسلامي الحنيف هو من يشكل موقفنا من المال, حيث المال مال الله ونحن مؤتمنون عليه, ولذلك قال رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم: "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به"، أي أنه لا مال من أجل المال أو الغني، وإنما الأصل أن المال مربوط بأهداف تتحقق بصرفه، والإسلام يحرم اكتناز الذهب والفضة ويهدد من يفعل ذلك بعذاب أليم, حيث يقول تعالى "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون". التوبة: 34 ـ 35.
ولا شك أنه من أكبر الآفات التي ابتلي بها العالم اليوم رغبة كثير من الناس كنز المال من أجل المال دون أهداف من وراء جمع هذا المال بأي طريقة كانت حلالا أو حراما، نظامية أو إجرامية، أخلاقية أو لا أخلاقية، المهم الرصيد في ارتفاع حتى إن لم يؤثر ذلك في حياتهم أو حياة من حولهم من مجتمع وأوطان قيد أنملة، المهم الترتيب في قائمة أثرى أثريا العالم، أما القوائم الأخرى فلا دخل له بها بتاتا، وهذه هي القارونية التي جعلت ربنا يخسف به وبداره الأرض.
وكل من بحث في الأزمة المالية الحالية توصل إلى حقيقة مفادها أن المال أصبح هدفا بذاته وإن كان على حساب الناس جميعا، وأن المال من الممكن أن يولد مالا دون المرور بقناة استثمارية حقيقية، وهو ما جعل المنظمات الدولية, نتيجه لهذا الجشع, تنادي بضرورة الالتفات إلى الدول الفقيرة لكيلا تموت شعوبها جوعا من جراء هذا الفكر اللاإنساني الجشع، فأين نحن من ذلك حيث لنا فكرنا وحضارتنا المتفردة؟ هل بالإمكان أن نطرح فكرا ماليا حضاريا متفردا يمكنه أن ينقذنا كما ينقذ الأمم الأخرى من خلال إعادة تشكيل الموقف من المال ومن أدواته ومشتقات؟
يقول الدكتور طارق السويدان المفكر الكويتي المعروف, إن أمتنا في الماضي ذهبت إلى الأمم الأخرى وغيرتها، ففلسفتنا أن ننفتح على العالم ونغيره، فالذي يملك الحق لا يتردد ولا يخشى أحدا، ونحن ولله الحمد كمسلمين لدينا منظومة مالية تكافلية أصبحت محط أنظار كثير من المفكرين الماليين رغم أننا لم نطبق منها إلا النزر القليل، منظومة تحث على التكافل حيث يتعين على كل فرد قادر من أفراد المجتمع مساعدة أخيه المحتاج حتى يضمن له على الأقل المستوى الأدنى من الحياة الكريمة وضمان وجود الاحتياجات الأساسية، منظومة تحث على استثمار المال من خلال شراكات بين رأس المال والأفراد أصحاب الأفكار والمشاريع الإنتاجية بما يولد الوظائف والفرص الاستثمارية.
كلي أمل في أثرياء بلادي أفرادا ومؤسسات أن يطوروا موقفهم من المال لتفعيل الفكر المالي الذي يجعل من المال وسيلة لتحقيق الأهداف والغايات التي تتعدى حدود الأنا إلى حدود المجتمع والوطن والعالم بما يعود علينا مجتمعاً ووطنا بالخير والفائدة، كما يرسخ صورتنا الحقيقية الجملية في العالم كأمة ذات مفاهيم حضارية لها صولات وجولات في ساحات الإبداع الفكري في قطاعاته كافة بما في ذلك القطاع المالي.