عندما يسقط الكبار
قبل نحو عام طُلب مني الحديث عن الحالة المالية والاقتصادية في المملكة في اجتماع لجمعية جيوفيزيائية في البحرين، وكان من عرض ما ذكرته للتدليل على حجم القطاع المالي في المملكة، أن مجموع ودائع بنك واشنطن ميوجال أكثر من حجم ودائع البنوك السعودية مجتمعة، وقد كان هذا البنك سادس أو سابع أكبر بنك أمريكي. الجدير بالذكر أن هذا البنك أعلن إفلاسه وضمه إلى "جي. بي. مورجان" قبل عدة أسابيع. وكذلك شهدنا هذه الأيام إنقاذ "سيتي جروب" من الإفلاس والتي كانت أكبر مجموعة مصرفية أمريكية قبل هذه الأزمة العاصفة. كذلك يدور نقاش حول برامج إسعافية وقتية لإنقاذ شركات السيارات وخاصة "جنرال موتورز" التي كان يُقال عنها ما يصح لـ "جنرال موتورز" يصح لأمريكا، في دلالة على أهميتها للاقتصاد الأمريكي. بعد هبوط غبار هذه العاصفة المالية والاقتصادية، سيشهد العالم إعادة ترتيب في كل القطاعات، خاصة المالية.
هذه التحولات الكبيرة في جدولة المؤسسات الاقتصادية والمالية في الدول الغربية وخاصة أمريكا، تدل على صعوبة قراءة الأوضاع المالية والاقتصادية والاستثمارية. قرر ورن بفت أحد أشهر المستثمرين في العالم الاستعجال في شراء أسهم "جنرال إليكتريك" و"جولدمان ساكس" لتسجل بعد ذلك نزولا يصل إلى نحو 50 في المرائة في عدة أسابيع، وكذلك شراء الأمير الوليد المزيد من أسهم "سيتي جروب" لتلامس الإفلاس لولا إنقاذ الحكومة الأمريكية لها. إذا كان هذا مصير الكبار فما مصير العامة ومجتمع المحللين؟ هذه الصعوبات لا تعفينا من المسؤولية الشخصية في التفكير والتروي أفرادا ومؤسسات وحكومات، يا ترى ما العبر والدروس؟
تداخل الاجتماعي مع السياسي مع النفسي مع الموضوعي يجعل من فرز المحتوى والإحاطة به ثم قراءة المستقبل عملية شبه مستحيلة. في محاولة شجاعة ولكنها لم تؤد إلى نتائج واضحة، حاول جورج سورس ربط وتفكيك هذه التداخلات في كتاب له. ولكنه لم ينجح في تحويل هذه الدروس إلى برامج وصفية يسهل اتباعها. لعلي أطرح بعض المعالم التي يسهل الإجمال حولها لتأمين إطار عام يستفيد منه الجميع.
أحد معالم هذا الوضع الذي أوصلنا إلى هذه الحال هو التوجهات المؤسساتية التي أعطت المال وطريقة الوصول إليه أولوية على العمل الاقتصادي ذي القيمة المضافة، فأصبحت المؤسسات المالية أكبر حجما من الصناعات، وأصبحت أقسام المالية في الكليات أهم من أقسام الهندسة. وأصبح مروّج المنتجات المالية ذات المخاطر غير المفهومة أغنى من طبيب القلب.
حدث تغير مهم في مفهوم دور المؤسسات المالية، فبعد أن كان الدور المساعدة على تجميع وتحويل رؤوس الأموال للاستثمار في الاقتصاد الحقيقي، أصبحت المؤسسات المالية تسعى إلى الربح السهل "يساعدها في المملكة ابتعاد كثير عن أخذ الفوائد البنكية". أحد إفرازات هذه البيئة هو إدارة الأموال التي تملكها الحكومات. وهنا يجب أن نفرق بين أموال الغطاء النقدي وتمويل الإيرادات لمدة معقولة وبين تكوين أموال تستثمر في الخارج. الأجدر هو الاستثمار في البنية التحتية المادية والبشرية، فهذا دور الحكومة الأساسي.
على المستوى الفردي هناك عدة دروس، منها الحاجة إلى التحفظ في الاستثمار والتنويع. وكذلك الوعي إلى توجيه التعليم إلى ما يفيد ويجعل منه عنصرا فاعلا في اقتصاد يقوم على الإنتاج والمعرفة وليس ترويج الخدمات المالية وهيمنة التفكير في الحصول على المال دون تقديم وإبراز قدرات علمية وفنية. لعل أسهل طريقة للحصول على المال هي إيجاد الفرد المنتج لما يجعل منه مفيدا لنفسه ومجتمعه. فحينما يحصل على المعرفة ويراكمها ثم يرفع رأسه للأمام سيضع المجتمع سعرا مناسبا لهذه الخدمات. هذه البوصلة القيمية تجعل منا أفرادا أقوى في داخلنا وأكثر قدرة على التعامل في خارجنا. ولكن هذه لن تحصل دون استخدام المال العام في إعادة هيكلة البنية التحتية ماديا وبشريا. يصعب أن ينجح الأفراد دون تحديث هذه البنية ولا تستطيع هذه الدول البناء دون المساهمة في تغيير توجهات البوصلة القيمية في المجتمع.