الصناعة الصينية وثقة المستهلك التي فقدتها
نشرت الصحف المحلية قبل أيام أخبارا عن تكوين شركة بين بعض رجال الأعمال السعوديين والصينيين بقيمة 300 مليون ريال, لإقامة سوق دائمة للمنتجات الصينية في الرياض على مساحة 100 ألف متر مربع, يقام عليها 250 متجرا لعرض منتجات 12 قطاعا رئيسا من قطاعات الصناعة الصينية ("الشرق الأوسط"21/11/1429هـ), وقد علق السفير الصيني في المملكة على المشروع بأنه يعكس أهمية المملكة كشريك اقتصادي وتجاري مهم للصين, وأن هناك نظرة تفاؤلية لنجاح مشروع السوق الجديد, إذ يوفر فرصة مهمة للتجار الصينيين لعرض بضائعهم ويسهم في تغيير الصورة النمطية التي نشأت حيال بعض البضائع الصينية.
والواقع أن مثل هذا الخبر يثير أسئلة مهمة حول الفائدة التي ستعود على المملكة ومواطنيها من هذا المشروع, ما دام يتمثل, فقط, في فتح مئات المتاجر للبضائع الصينية لكي يعمل فيها أصحاب تلك البضائع, وأن أرباح هذه المتاجر تذهب لمالكي البضائع, ومن يعملون لحسابهم من مواطنيهم, بخاصة وهو لم يشر إلى أنه سيفتح ولو فرصة عمل واحدة للمواطنين, كما لم يشر إلى أن المشروع سيكون من أهدافه السعي إلى تحسين مستوى تلك المنتجات, أو على الأقل توفير الضمانات الكافية لمستخدميها, وما هو الاختلاف بينها وبين الحوانيت المنتشرة في أرجاء المملكة كافة, التي تحولت مع سياسة الإغراق التي ينتهجها مسوقو تلك البضائع, إلى معارض دائمة لها, بخاصة مع ازدياد شريحة الطبقة الفقيرة وانعدام الوعي وتضاؤل القوة الشرائية في أيدي الناس, في ظل الركود الاقتصادي.
صحيح أن البضائع الصينية تمتاز على غيرها بانخفاض أسعارها, وهو ما جعلها تنتشر بشكل لم تسبقها إليه منتجات أي دولة أخرى, ولكن هذا الانخفاض يقابله انخفاض في مستوى الجودة والإتقان, والعمر الافتراضي للسلعة, ومنذ أن عرف الناس البضائع الصينية أصبح اسمها يرتبط بالشعور السلبي الذي يثيره الحديث عنها, وبخيبة الأمل التي يصاب بها مستخدمها, ورغم مرور وقت طويل على معرفة الناس بهذه البضائع واستخدامهم لها وإبداء ملاحظاتهم عليها, ورغم معرفة منتجيها بعيوبها الأساسية, فإنهم لم يعملوا على تلافي تلك العيوب, إلى أن فقدت تلك البضائع ثقة المستهلكين, بخاصة الأجهزة الكهربائية التي لا يقتصر الضرر الذي تحدثه على تلفها, بل يمتد إلى حدوث حرائق ووفيات في المنازل بسببها, واسألوا مستخدمي الدفايات والتوصيلات عن ذلك.
ويبدو أن الصناعة الصينية لم تستفد من تجربة سابقاتها الصناعة اليابانية والصناعة الكورية, فقبل نحو أربعة عقود كانت نظرة الناس إلى البضائع اليابانية هي نظرتها نفسها إلى البضائع الصينية اليوم, وكانوا يقولون هذا منتج "جاباني" كإشارة إلى عدم جودته, بخاصة عندما يقارنونه بمنتج "جيرمني" أي ألماني, عندما كانت المنتجات الألمانية تمثل القمة في الجودة والمتانة وما زالت, بيد أن البضائع اليابانية أصبحت تمثل الآن أرقى معاني الجودة والإتقان, وما قلته عن البضائع اليابانية كان يقال عن البضائع الكورية, لكن الصناعة الكورية طورت نفسها بشكل مذهل, حتى أصبحت تنافس الصناعة اليابانية في كل شيء, ورغم معرفة أسواق المنطقة العربية بالمنتجات الصينية منذ أكثر من ثلاثة عقود إلا أن المستهلك لم يلمس أي تطوير لتلك المنتجات, والارتقاء بها إلى مستوى ثقة المستهلك, بل إن ما يحدث من بعض المنتجين الصينيين يسيء إلى هذه الصناعة ويعد استخفافا بذائقة المستهلك وحقوقه, ومن أمثلة ذلك ما يأتي بيانه:
1 ـ تقليد المنتجات المشهورة بجودتها, وإتقان هذا التقليد حتى إنه يستحيل على المستهلك العادي التفرقة بينها وبين البضائع الأصلية.
2 ـ الغش في بعض المنتجات, بحيث يتلف المنتج أو لا يعمل بمجرد إخراجه من علبته.
3 ـ صناعة منتجات خطرة على من يستعملها, وبخاصة في مجال لعب الأطفال.
4 ـ استعمال مواد محظورة, أو استعمالها بنسب تزيد على الحد المسموح به في بعض المنتجات كالعطور والمساحيق ومواد التجميل.
5 ـ الاهتمام بالتغليف والشكل والألوان أكثر من الاهتمام أحيانا بما في داخل العلبة.
6 ـ تعمد بعض المنتجين التدليس والخداع بتغيير بلد المنشأ والصنع إلى بلد أوروبي أو غيره, وتمرير ذلك على سلطات الجمارك والاستيراد.
ومع أن إخواننا الصينيين بارعون, كما نلمس في إتقان المظهر, فليت هذا الإتقان ينسحب على المخبر, وليت دقتهم في التقليد تتحول إلى التجويد ويهتمون بالتالي بمحاولة استعادة ثقة المستهلك, ولو حدث ذلك لأصبح لهذه الصناعة شأن عظيم يتفوق على غيرها من الصناعات, مثلما تفوقت عليه هي بالانتشار ورخص الأسعار.
وإذا أضيف إلى ذلك كله, انعدام توافر مواصفات قياسية وطنية لبعض المنتجات, ولا سيما الأجهزة والأدوات والموصلات الكهربائية, فإن هذا يفتح الباب على مصراعيه لدخول منتجات مغشوشة وخطرة كما هو مشاهد.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الحالية والمستقبلية المتوقعة, فإنه من المنتظر أن يزداد انتشار هذه الصناعة, ويزداد الإقبال عليها من قبل المستهلك, وهو على يقين من رداءتها وقصر عمرها, وذلك بسبب انحسار دخول الطبقة الغالبة من الناس. فهل تتنبه السلطات المعنية بالمواصفات والجمارك والاستيراد إلى حماية أرواح الناس من الأخطار التي تحملها هذه الصناعة, وإلى حماية الاقتصاد من الهدر الذي يحصل بسببها؟ وهل تتنبه الجهات المسؤولة في الصين, وفي مقدمتها سفارتها في المملكة, التي ترقب الوضع من قريب, ولديها معلومات كاملة عنه, إلى بذل الحد الأدنى من مراعاة حقوق المستهلك, ومحاولة استعادة ثقته التي فقدها بسبب ممارسات بعض المنتجين التي تسيء إلى ما هو صيني بوجه عام؟ والله من وراء القصد.