"هيئة المحاسبين القانونيين" .. لله يا محسنين!
لم يأت هذا المقال من باب توارد الخواطر، بل هو تفاعل مقصود لما كتبه الزميل عبد المجيد الفايز في "الاقتصادية" قبل عدة أيام، فأنا اليوم أقف معه لدعم الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين SOCPA، وهي وحيدة أمام مفترق طرق حقيقي، خاصة مع تصاعد دور المملكة في مجموعة العشرين G20، التي تؤسس اليوم لاقتصاد الغد وتتجه بالعالم أجمع نحو عولمة مقننة للأسواق المالية وإدارة مخاطرها. وإذا كانت المعايير المحاسبية قد تنفست الصعداء بعد قمة العشرين، ونجت من النقد وتوجيه الاتهام، على الرغم من محاولات توريط معيار القيمة العادلة في الأزمة، فإن غيوم العاصفة قد بدأت تتلبد في سماء الهيئات العاملة في هذا المجال، فهذه الولايات المتحدة أكثر دول العالم اعتزازا بمعاييرها المحاسبية المتطورة وتاريخها الطويل في تلك الصناعة، التي تراها متناسبة مع بيئة التقارير الأمريكية نجدها اليوم تقبل، إن لم نقل ترضخ، للضغوط وتعترف بالمعايير الدولية من خلال البدء بإعداد مشروع خريطة طريق لاستخدام تلك المعايير في إعداد التقارير المالية في الأسواق الأمريكية ـ وإن تحفظت على هذه الخطة بعبارة "استخدام محتمل". وهي الخطوة التي ماطلت فيها الولايات المتحدة زمنا طويلا، بل تعاملت مع المعايير الدولية بازدراء غير مخف، رغم أن الشركات الأمريكية العابرة للقارات أكثر الشركات استفادة منها.
ليس المقال موجه لفهم مشكلة المعايير الدولية مع الولايات المتحدة، لكن المعنى واضح من خلال النقاش السابق، فالولايات المتحدة سترضخ للتغيير، فكيف بـ "الهيئة السعودية" ومعاييرها والمملكة عضو فاعل ومهم في G20.
في السنوات الأخيرة، خاصة بعد التغيرات التي شهدتها عملية صناعة المعايير الدولية IFRS والمشاركة الواسعة للدول في عملية إعدادها، جعلها تلقى قبولا متزايدا. وبالتأكيد مع التوجه نحو مراقبة عالمية للأسواق المالية وعمليات الائتمان وإدارة المخاطر التي تقترحها الدول المؤيدة للاقتصاد العالمي الجديد، فإن تبني المعايير الدولية سيصبح أمرا لا مفر منه مهما تحدثنا عن الخصوصية المحلية، لكن عملية تبني المعايير الدولية يواجه نقاشات حادة ووجهات نظر متباينة داخل أروقة SOCPA وخارجها، فالمعايير الدولية بوضعها الحالي صيغت بعيدا عنا، ولم تراع مصالح المملكة ولا الشركات السعودية ومتطلبات الإفصاح المطلوبة، في ظل مستويات الرقابة والالتزام الحاليين، وإذا أخذنا في الاعتبار المستوى المهني المتوسط، إن لم يكن أقل، والغياب الواسع للوعي بأهمية التقارير المالية، فإن مخاطر تبني المعايير الدولية تتزايد. أضف إلى هذه النقطة أن تبني المعايير الدولية يستدعي معه تغيرات هيكلية واسعة في SOCPA، ويتطلب تغيرات أكثر في اختبارات الزمالة وعملية المراقبة النوعية للمكاتب وإجراءات دراسة ومناقشة المعايير حتى مع التبني المطلق لها. لمواجهة كل هذه الاحتمالات فإن "الهيئة" بحاجة إلى تطوير شامل يخدم المستقبل الاقتصادي للمملكة والمكانة الحالية لها حتى نضمن تأثيرا واسعا في عملية صنع المعيار الدولي قبل أن يصبح ملزما للشركات السعودية أو تلك العاملة في المملكة. هذا التطوير الشامل يتطلب فيما يتطلب زيادة كبيرة في الكادر "المهني" الذي يعمل، خاصة أن معظم الأعمال تحتاج إلى مستويات رفيعة من التخصص. كما أن "الهيئة" بحاجة إلى دعم لا محدود حتى تلبي احتياجات المرحلة الحالية وتتجاوزها. هنا أكرر طلب الزميل عبد المجيد الفايز في الدعم المباشر لـ "الهيئة" وعدم الاعتماد على التبرعات المؤثرة في استقلالها.
وإذا كانت "الهيئة" قد ظهرت للوجود في ظل دراسة عن حاجة المملكة إلى هيئة مهنية تمت قبل أكثر من 20 عاما، فإن الحاجة اليوم ليس كمثلها في تلك الأيام الخوالي. 20 عاما تغيرت فيها الظروف الاقتصادية، ليس في المملكة فحسب، بل في العالم بأسره، 20 عاما ظهرت معايير إلى الوجود واختفت. 20 عاما انقسمت فيها الهيئات العالمية المختصة في الشأن المحاسبي ومكاتب المراجعة والمراجعة الداخلية إلى هيئات تتبعها هيئات وبقيت "الهيئة السعودية" بلا مقر مستقل وتحت رحمة ميزانية ومعونات وتبرعات تمنح على أساس دراسة تمت قبل أكثر من 20 عاما.
إن النتيجة المباشرة لكل هذا هو الإحجام الكبير من قبل مختلف الشرائح الأكاديمية والمهنية عن المشاركة في أعمال ودراسات وأبحاث وأنشطة "الهيئة" مهما تنوعت، نظرا لضعف الدعم والتأثير المنشود، الأمر الذي فاقم على القائمين بأعمال "الهيئة" مصاعب العمل المهني وتطوير أدواته. بصراحة متناهية فإن من يعمل اليوم بالقرب من "الهيئة"، إنما يعمل من واقع "غيرة" مهنية ورغبة في الدعم الإحساني لها، ومن يعمل ضمن فريق "الهيئة" إنما يعمل ـ في اعتقادي ـ ولاء لهذه المهنة، رغم المغريات الحقيقية خارجها.
في ظل هذه الظروف غير المشجعة يتعرض فريق "الهيئة" إلى طلبات مستمرة للتطوير والخروج بـ "الهيئة" من الهيكلية الحالية إلى هيكلية تقترب أكثر من العالم وتساعد على تبني المعايير الدولية، وهو أمر استراتيجي يحتاج مرة أخرى إلى دعم قوي، وليس مجرد تبرعات وإحسان.