هل من سبيل إلى عملة غير الدولار؟
لماذا الإصرار على عدم فك الارتباط بالدولار؟ سؤال يتردد كثيراً من غير المختصين وليس لهم علاقة بالنظام المالي والأوراق المالية سوى أنها أوراق يتسلمونها في آخر الشهر ليصرفوا منها على مشترياتهم.
ولكي تتضح الصورة للجميع أحببت المشاركة بهذه المقالة لعلها توضح رؤيتي للواقع، كما توضح أسباب الإصرار على الارتباط بالدولار والحكمة من وراء ذلك، ولنعرف أن الأسباب الاقتصادية البحتة هي التي تقف وراء ذلك، وهي أسباب جعلت الصين وهي الأكبر من حيث السكان ومن حيث الإنتاج ومن حيث القوة العسكرية تربط عملتها بالدولار رغم حث الولايات المتحدة لها على فك هذا الارتباط لتتمكن من ضربها على رأسها ماليا، ولكن المسؤولين الصينيين على دراية تامة بذلك ويصرون أيضا على الارتباط بالدولار.
معظمنا يعرف أن وحدة النقد القائمة على قاعدة المعدنين الذهب والفضة قيمتها كنقد تعادل قيمتها كمعدن حيث يمكن صهر وحدة النقد المسكوكة والاستفادة منها كمعدن ثمين، ولذا كان من السهل تداول هذه الوحدات النقدية عالميا مهما كانت الجهة الساكة لها دون الحاجة لسعر صرف، حيث إن قيمتها تعتمد على الوزن ونقاوة المعدن ذهبا كان أو فضة، وبطبيعة الحال فإن الوحدات النقدية كانت تعاني عدم التوافق بين القيمة الاسمية والقيمة الحقيقية لمعدني الذهب والفضة حيث تتجاوز في الكثير من الأحيان قيمة المعدن الحقيقية القيمة الاسمية التي حددتها الجهة المصدرة لها، كما أن عملية نقل المعادن الثقيلة عملية صعبة ومتعبة ومعرضه لكثير من المخاطر خصوصا في القرون التي مضت.
وتقول الرواية إنه منذ 300 عام تقريبا قام أحد تجار المال اليهود بصنع خزانة كبيرة لتخزين الذهب لتفادي سرقته ومن ثم قام بإصدار شهادات ورقية تثبت أنه لحاملها ما يعادل قيمتها ذهبا لدى هذا التاجر، وأن من يأتي بهذه الأوراق له الحق في الحصول على ما يقابلها ذهبا، وذلك مقابل عمولة لا تتعدى 1 في المائة، وهكذا بدأ الأثرياء يخزنون الذهب عند هذا التاجر ويتعاملون بالأوراق التي يصدرها، وبعد زمن لاحظ هذا التاجر أنه لا أحد يأتي إليه ليأخذ الذهب وأن الأوراق التي يصدرها أصبح الناس يتداولونها في عمليات البيع والشراء، وعندها بدأت البنوك في صورها البدائية بإصدار العملات الورقية المدعومة بالذهب رغم أن ذلك يتعارض مع الأهداف الاقتصادية حيث يوجد أكثر من مصدر لإصدار النقود وهو ما يفقد الثقة في التعامل.
وفي القرن التاسع عشر قامت بريطانيا بإنشاء بنك إنجلترا أول وأقدم بنك مركزي ليقوم منفردا كبنك بإصدار للأوراق النقدية وبدأت الحكومات آنذاك وفيما بعد بإصدار العملات الورقية المدعومة بالذهب بديلا للوحدات النقدية المعدنية حيث تحتفظ كل حكومة في بنوكها المركزية بما يعادل ما تصدره من أوراق نقدية ذهبا.
ودون أدنى شك لا يمكن أن تترك عملية إصدار النقود لكل بلد دون ضوابط، أي أنه لا بد من وجود ضوابط تحكم الإصدار النقدي في كل بلد، وكلنا نعرف أنه حتى عام 1971 كان لا بد من توافر غطاء نقدي من الذهب والعملات الأجنبية القابلة للتحويل إلى ذهب، ولكن بعد هذا التاريخ بدأت الدولة بتغطيه جزء من الإصدار بالذهب أو العملات والباقي من الإصدار يعتمد على المركز الاقتصادي للدولة أو القوة الاقتصادية ولقد كان ذلك بقيادة من البنك الفيدرالي الأمريكي الذي عمل على أن يكون الدولار الأمريكي عملة الاحتياط الأساسية في العالم من خلال جملة من الأدوات التي مكنته من ذلك، حيث كان الاقتصاد الأمريكي يشكل نحو 45 في المائة من حجم الاقتصادات العالمية فضلا عما تمتلكه أمريكا من تحالفات سياسية وقوة عسكرية وقوة استهلاكية كبيرة يسيل لها لعاب كل دولة أو مصنع منتج للسلع.
هذا الوضع جعلنا أمام نظام نقدي لا توجد فيه أي علاقة بين قيمة وحدة النقد المتداولة وقيمة أي سلعة وإنما تحدد فيه وحدة النقد بناء على قرارات السلطة النقدية ومدى تعارف الناس عليها وتداولها، وهو ما جعلنا في المملكة أمام ثلاثة خيارات ربط الريال بالذهب وهنا نفقد كثيرا بسبب المضاربات، ولكون أكثر الذهب في أمريكا حيث يوجد فيها نحو 3.25 مليار أونصة ذهب (1.5 مليار في السوق، 1.75 مليار أونصة لدى الفيدرالي الأمريكي)، ولا شك أن ذلك يجعل الذبذبة بالعملة السعودية لا تطاق ولا يمكن أن تبنى عليه توقعات اقتصادية بتاتا، وكلنا يعلم أن الذهب صعد من 300 دولار إلى نحو ألف دولار في فترة وجيزة ويمكن أن يعاود الانخفاض مرة أخرى.
الخيار الثاني الربط بسلة من العملات وهذا يحتاج إلى جهود كبيرة لضبط العملة ضمن هذه العملات التي يصعد بعضها وينخفض الآخر وبالتالي فهو خيار متعب جدا، والخيار الثالث هو الارتباط بالدولار الأمريكي الذي يمتلك كافة أدوات المحافظة على قيمته كما أشرنا سابقا، نعم قد نرى سياسات أمريكية في مرحلة من المرحلة تقتضي الدولار الضعيف ولكن نراها تارة أخرى تقتضي الدولار القوي، ولكون مبيعات مصدر الدخل الرئيسي بالنسبة لنا مقومة بالدولار فعلينا الارتباط به ودعمه ولسنا أكثر قدرة من الصين التي لا تفكر في فك الارتباط بالدولار لقناعتها بأنها تفتقد متطلبات الحفاظ على عملتها دون هذا الارتباط.
ختاما أقول إن الدولار عملة الاحتياط الرئيسية في العالم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية لأن أمريكا تمتلك مقومات الحفاظ على قيمتها لكونها تمتلك أكبر اقتصاد في العالم، كما أن أسواقها المالية هي الأعمق والأكثر سيولة، وأنها الدولة التي تتمتع بأكبر قاعدة حلفاء سياسيين في العالم، فضلا عما تملكه من قوة عسكرية منتشرة في كافة أنحاء العالم، ومن يفكر في فك الارتباط بالدولار عليه إيجاد آلية تتمتع بمقومات تضاهيها ليحافظ على قيمة عملته وإلا أصبحت عملة ورقية في يوم عاصف تتقاذفها الرياح إلى غير قرار.