رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


قرارات قمة العشرين .. ودعم "هيئة المحاسبين"

عندما تعمل جهة شبه حكومية بإخلاص وتنجز الكثير خلال مسيرتها التي لا تزيد على 17 عاما، وتحظى تلك الإنجازات بإعجاب وتقدير السواد الأعظم ممن لهم علاقة بنشاطها داخل المملكة وخارجها، لا بد أن يشعر المرء بالفخر وهو على الأقل ما أشعر به، لكن إذا كانت تلك الجهود والإنجازات لا تحظى بمثل هذا، فهذا يثير الاستغراب ويولد نوعا من الإحباط، خصوصا أن ما قامت به أسهم في تحصين اقتصاد المملكة طوال تلك السنوات ضد الأزمات المالية، وقد يكون مرد ذلك لصعوبة فهم غير المتخصصين لطبيعة عملها وأهميته للاقتصاد الوطني، لأنه ذا طابع فني صرف ودقيق.
الجهة التي أتحدث عنها هي الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين التي أسهمت بفاعلية في حماية النظام المالي وعمليات الائتمان الضخمة في المملكة من كوارث مالية طوال السنوات الماضية ـ بشكل غير مباشر ـ عن طريق مجموعة معايير محاسبية متطورة حددت طرق معالجة العمليات المالية بدقة تكفل إظهار الموقف المالي لجميع المنشآت بشكل عادل وبإفصاح كاف وبطريقة عرض واضحة يستطيع معها أي مختص أن يقيس ويقارن ويحلل النتائج للوصول إلى القرارات الكبيرة في البيع والشراء والاستحواذ والاندماج والتوسع ومنح القروض وجدولتها وتحديد العمولة عليها وشراء الأسهم وتحديد القيمة العادلة لها والتخلص منها بالبيع، أي أن جميع القرارات الاقتصادية في البلد تعتمد على مخرجات النظام المحاسبي الذي ضبطته مجموعة المعايير التي أعدتها وأصدرتها وراقبت تطبيقها الهيئة السعودية للمحاسبين.
"الهيئة" التي حظيت إنجازاتها بتقدير معظم المتهمين بمهنة المحاسبة في العالم ـ كما أسلفت ـ سبقت جميع الدول العربية والشرق أوسطية في تنظيم مهنة المحاسبة بشكل دقيق ومتكامل وسبقتهم أيضا في تنظيم مهنة المراجعة، أي مراجعة حسابات الشركات عن طريق محاسبين مرخصين أصدرت معايير دقيقة لضبط عملهم تكفل قيامهم بواجباتهم على أكمل وجه وراقبتهم عن طريق برنامج لجودة الأداء وعاقبت المخالفين منهم.
في قمة العشرين الكبار، التي عقدت في واشنطن قبل أيام وشاركت فيها المملكة، تنبه العالم إلى أهمية إصلاح معايير المحاسبة، فيما يتعلق بتقدير قيمة الأدوات المالية المركبة عندما يتعذر بيعها في الأسواق، وتحسين الشفافية بشأن الموجودات خارج إطار التقارير المتعلقة بالأداء والأدوات المالية المركبة وتعزيز إدارة الهيئة الدولية التي تعد معايير المحاسبة، وهو ما أوصى به القادة، الذين أوصوا كذلك بحزمة إجراءات تصب في مجال اختصاص مهنة المحاسبة والمراجعة التي ترعاها وتدير شؤونها لدينا الهيئة السعودية للمحاسبين، التي لم تحظ حتى اليوم بالدعم، رغم أهمية عملها، وقد يقول أحدهم إن من يقوم بمراقبة الائتمان في المملكة هي مؤسسة النقد وهي التي ينبغي أن تدعم وتشكر على جهودها للحفاظ على سلامة النظام المالي الوطني وتجنيبه أية اهتزازات قد تؤثر سلبا فيه كما حدث في أزمة المال العالمية أخيرا، وهذا بالمناسبة ما صرح به بعض المسؤولين، وهنا أجيب أن مؤسسة النقد جهة حكومية قامت بواجباتها على أكمل وجه، وهي تشكر لا شك على جهودها، لكنها لن تستطيع إنجاز واجباتها إذا كانت النظم المالية المطبقة في البنوك والشركات غير موثوق بها والرقابة عليها ضعيفة وعمل مراجعي الحسابات صوري. بعبارة أخرى فإن مؤسسة النقد تعتمد في عملها على التقارير المالية للبنوك التي تعتمد بدورها في عملياتها على التقارير المالية لمنشآت القطاع الخاص، وإذا ما كانت مدخلات عملها غير دقيقة، فإن نتائج عملها ستكون كذلك، أي أن سلامة النظام المالي الوطني تعتمد أولاً على سلامة القوائم المالية لمنشآت القطاع الخاص بما فيها البنوك، وهذا ما قامت وتقوم به "هيئة المحاسبين" التي رفعت درجة الثقة في البيانات المالية للمنشآت، الذي بدوره جعل مهمة الرقابة على النظام المالي التي تقوم بها مؤسسة النقد ناجحة.
كتبت غير مرة عن ضرورة دعم موازنة "هيئة المحاسبين" من قبل وزارة المالية، لأن مصادر دخلها محدودة وتكاد تنحصر على التبرعات ومداخيل التدريب، وهي لا تحتاج إلى مبالغ كبيرة، بل إلى مبلغ سنوي متواضع في حدود عشرة ملايين ريال. كما طالبت باستعجال إقامة مقر دائم لها بدل مقرها الحالي الذي يضيق بموظفيها، خصوصا أن وزارة المالية اعتمدت مبلغا ماليا لإقامة مقر لزميلتها هيئة المحاسبين والمراجعين في دول مجلس التعاون.
من هنا أدعو وزارة المالية مرة أخرى أن تبادر بتقديم العون والدعم المالي لهيئة المحاسبين السعوديين، وأنا على ثقة بأن المسؤولين فيها وعلى رأسهم الدكتور إبراهيم العساف سيقدرون أهمية مواصلة "الهيئة" عملها المهم والدقيق من أجل إضفاء الثقة على النظام المالي ومخرجاته لتمكين منشآت القطاع الخاص والمستثمرين والجهات الحكومية من اتخاذ القرارات الاقتصادية الرشيدة، خصوصا أن الوزارة لم تبخل بدعم هيئات أخرى مثل "هيئة الغذاء والدواء"، "هيئة المهندسين"، و"مجلس الضمان الصحي"، وغيرها من الهيئات، التي يفترض أن تكون لها مواردها الذاتية، إلا أن "هيئة المحاسبين" وخلاف للهيئات الأخرى لا توجد لديها مصادر دخل ثابتة بسبب طبيعة نشاطها وهو ما غفل عنه نظامها الأساسي.
كما أدعو مجلس إدارة"الهيئة" إلى إنشاء لجنة للموارد المالية تبحث عن طرق تمويل دائمة لـ "الهيئة" كأن يكون لها جزء من إيرادات هيئة السوق المالية، أو أن تخصص لها مبالغ ثابتة على كل عملية مراجعة للشركات فقط بمبالغ متدرجة على حسب الشكل القانوني للشركة، لأن توافر بنود الصرف الكافية سيكفل مواصلة "الهيئة" عملها على الوتيرة نفسها، وهو ما نتمنى حصوله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي