تراجع أسعار المواد الخام سينعكس إيجابا على شركات البناء والتشييد السعودية
هبطت أسعار النفط أمس الأول إلى أدنى مستوى لها منذ 20 شهراً مما زاد من احتمالات لجوء منظمة أوبك إلى إجراء مزيد من الخفض في إنتاجها من النفط، لكن أسواق الأسهم العالمية انتعشت من ناحية أخرى وإن لم يكن بالقدر الذي يعوّض مستويات الخسائر التي سجلت الإثنين.
وكانت أسواق الأسهم الرئيسية في الولايات المتحدة وأوروبا قد شهدت بعض التحسن أمس الأول، حيث ارتفع مؤشر إس آند بي 500 الأمريكي بنسبة 1 في المائة وارتفع مؤشر داو جونز للشركات الصناعية بنسبة 1.8 في المائة كما حققت الأسواق الأوروبية الرئيسية ارتفاعات راوحت بين 0.5 في المائة (ألمانيا) و1.9 في المائة (المملكة المتحدة)، إلا أنها لم تكن كافية للتعويض عن التراجعات التي سجلتها الأسواق في تداولات الإثنين والتي راوحت بين 2.5 و3.5 في المائة. أما في اليابان فقد انخفضت سوق الأسهم بنسبة 0.7 في المائة.
وانخفضت أسعار النفط نتيجة للمخاوف بشأن الملامح المستقبلية للاقتصاد العالمي في ضوء توقعات مركز دراسات الطاقة العالمية باحتمال تراجع معدل نمو الطلب العالمي على النفط هذا العام مسجلاً أول انخفاض سنوي في الطلب على مدى 25 عاماً.
وبدأ الارتفاع الاستثنائي في أسعار النفط يؤدي بالفعل للتباطؤ في نمو الطلب على النفط إلا أن ظهور الأزمة المالية والركود الذي عم معظم أنحاء العالم سيؤديان إلى تراجع الطلب بصورة كبيرة. وكانت وكالة الطاقة الدولية قد خفضت منذ حزيران (يونيو) تقديراتها بشأن نمو الطالب العالمي خلال عام 2008 (من 800 ألف برميل في اليوم إلى 120 ألف برميل في اليوم) وفي 2009 (من 800 ألف برميل في اليوم إلى 350 ألف برميل في اليوم). ويتوقع أن يأتي معظم ذلك الانخفاض من الولايات المتحدة باعتبارها أكبر مستهلك للنفط في العالم حيث تراجع الطلب على النفط فيها خلال تشرين الأول (أكتوبر) بنسبة 8 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وتعادل هذه النسبة من الانخفاض نحو 1.5 مليون برميل في اليوم.
وتتزايد الضغوط داخل "أوبك" لاتخاذ قرار بتطبيق خفض آخر في الإنتاج، الذي يحتمل أن يتخذ قبل القمة المقبلة المزمع عقدها في الجزائر في 17 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، وهناك اجتماع غير رسمي في القاهرة في 29 الشهر الجاري. ونعتقد أنه في ظل الظروف الاقتصادية السائدة حالياً فإن معظم دول "أوبك" تأمل بأن يراوح سعر النفط بين 70 و80 دولاراً للبرميل، لكنها على الأرجح ستلجأ إلى إجراء خفض آخر هذا العام وخلال النصف الأول من العام المقبل ما لم تعود الأسعار إلى هذا المستوى. ومن شأن انخفاض أسعار النفط وتراجع حجم الإنتاج أن يؤديا إلى إبطاء النمو الاقتصادي في المملكة العام المقبل وكذلك خفض فوائض الميزانية والحساب الجاري.
لكن رغم التأثيرات السلبية لانهيار أسعار النفط في الاقتصاد السعودي نرى كذلك حدوث انخفاض في أسعار السلع الأخرى بسبب تزايد المخاوف بشأن الطلب حيث هبط مؤشر رويترز لأسعار السلع بنسبة 48 في المائة منذ حزيران (يونيو). وقد عم انخفاض الأسعار جميع فئات السلع حيث شمل المواد الخام الصناعية والمنتجات الغذائية والمعادن النفيسة.
من شأن تراجع أسعار السلع غير النفطية أن يساهم في خفض التضخم فضلاً عن الآثار الإيجابية الأخرى في الاقتصاد، فعلى سبيل المثال انخفضت أسعار النحاس والحديد، التي تعتبر من مواد البناء الرئيسية بنسبة 57 في المائة و36 في المائة على التوالي منذ نهاية حزيران (يونيو). وكان ارتفاع أسعار المواد الخام قد قوض القدرة على تمويل بعض المشاريع الإنشائية ولذلك فإن انخفاضها الآن سينعكس في شكل وفورات كبيرة لشركات البناء والتشييد التي أمنت التمويل سلفاً. أيضاً سيؤدي ذلك الانخفاض إلى تحسين قدرة الأشخاص على تحمل تكاليف بناء المنازل (90 في المائة من المنازل يتم بناؤها بواسطة الأفراد) مما سيؤدي على الأرجح إلى تخفيف الضغط على سوق الإيجارات، التي تعتبر حالياً هي المصدر الرئيسي للتضخم.
كذلك سيسهم انخفاض أسعار الأغذية في خفض معدلات التضخم، التي كان من أهمها هبوط سعر الأرز البسمتي بنسبة 45 في المائة منذ نهاية حزيران (يونيو) جاءت نسبة 31 في المائة منها خلال الشهرين الماضيين فقط. كذلك انخفضت أسعار الذهب الذي يعتبر أحد أهم مكونات مؤشر أسعار المجوهرات بنسبة 20 في المائة منذ نهاية الفصل الثاني. وقد تعززت الآثار الإيجابية لانخفاض الأسعار بفضل ارتفاع قيمة الدولار (وبالتالي قيمة الريال)، حيث ارتفع الريال منذ نهاية حزيران (يونيو) بنسبة 20 في المائة مقابل اليورو وبنسبة 25 في المائة مقابل الجنيه الاسترليني وبنسبة 15 في المائة مقابل الروبية الهندية وبنسبة 9 في المائة مقابل الين الياباني (أكثر من 40 في المائة من واردات المملكة تأتي من هذه المناطق والدول).