رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


الأسواق المالية من التمويل إلى التدمير

ما جذور الأزمة المالية الحالية؟ سؤال يتبادر إلى ذهن كثير ممن هم غير مقتنعين بأن سوق الرهن العقارية هي من تقف وراء تلك الأزمة، وإن كانت هي السوق التي وقعت فيها هذه الواقعة المالية المؤلمة، كما أن كثيرين أيضا يتساءلون: ما حجم الضرر الذي سيلحق بالأسواق الحقيقية من جراء هذه الأزمة؟ وما تأثير ذلك في استثماراتهم أو مدخراتهم بل حتى دخولهم الشهرية من رواتب ومكافآت وعمولات في ظل هذا الكم الهائل من الذعر والخوف والترقب الذي أودى بأساسيات الأسواق إلى واد سحيق حتى بتنا نرى أسهما تتهاوى أسعارها رغم سلامة جميع مؤشراتها بل متانتها؟
يعلم المشتغلون بالاقتصاد أنه بعد الحرب العالمية الثانية وحينما كانت أوروبا تعيش على المساعدات الأمريكية, وهي في حالة اقتصادية مزرية, بدأت عمليات التفكير في هياكل مالية جديدة للمنشآت الاقتصادية بهدف توسيع أنشطتها بما يعظم أرباحها من ناحية ويرفع مستوى إنتاجيتها بما ينعكس إيجابا على الفرص الاستثمارية والوظيفية والطلب على المواد والخدمات من ناحية أخرى, وذلك بهدف تسريع معدلات النمو الاقتصادي البطيئة.
وكانت الفكرة تقول بضرورة استبدال الفكر القائم على إعادة ضخ جزء من الأرباح ليضاف إلى رأس المال للتوسع في نشاط المنشأة الاقتصادية إلى الفكر القائم على زيادة رأس المال بنسب متفاوتة تصل إلى الضعف في بعض القطاعات الاقتصادية من خلال الاقتراض من الجهات التمويلية, ما يوفر مالا سريعا وكبيرا لزيادة الإنتاج, وهو ما يفضي إلى طلب متتال على الموارد البشرية والمواد, الذي بدوره يحرك الطلب على السلع والخدمات, وهكذا في متتالية نمو متسارعة، وهو ما أدى إلى حركة نمو اقتصادية ضخمة خرجت بأوروبا من أزمتها ونهضت بالدول الرأسمالية بشكل كبير حتى أصبحت الدول الأكثر غنى وتقدما.
بطبيعة الحال التمويل لا يتم إلا من خلال أدوات تمويلية متعددة, وهو ما أدى إلى تطوير التمويل من خلال السوق المالية (أسهم، سندات، وصناديق استثمارية), إضافة إلى التمويل من خلال المؤسسات المالية (البنوك، شركات التمويل .. إلخ), ومن أجل السيطرة على هذه الأدوات ظهرت القوانين والأنظمة واللوائح المنظمة لذلك والمطورة لها والحامية للمتعاملين بها, إضافة إلى حماية السوق المالية لكي تستمر تلك الأدوات في تمويل المنشآت الاقتصادية بما يعزز نموها المتسارع الذي يعزز معدلات نمو إجمالي الناتج المحلي بالمحصلة دون أن يتمكن أحد من استغلالها لتحقيق منافع شخصية على حساب الصالح العام.
وحققت تلك القوانين والأنظمة واللوائح هدفها في تمكين تلك الأدوات من دعم الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي حتى أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات, حيث انخفضت معدلات النمو ودخل العالم في فترة ركود اقتصادي بسبب ارتفاع أسعار النفط، وهنا ظهرت الحاجة إلى فكر جديد للخروج من هذا الركود, حيث ظهرت الريجانية نسبة إلى الرئيس الأمريكي رونالد ريجان, الذي جاء بمجموعة من المستشارين الذين اقترحوا تخفيف القيود والحماية على الأسواق المالية لكي تتوسع في الإقراض بإدخال مزيد من المقترضين الذين لم تكن تنطبق عليهم الشروط الحمائية القائمة سابقا.
ومن مبادئ الريجانية أن تكون الحكومة صغيرة وأن تكون الرقابة أقل وأن العجز في الميزانية لا يشكل مشكلة, بل المشكلة في نسبة حجم الدين إلى إجمالي الناتج المحلي، وهو ما جعله يقلل الضرائب على الأغنياء لأنهم من يحركون السوق، ويتوسع في الإقراض كما يرفع من نسبة عجز الموازنة على اعتبار أن السوق عندما تنشط تولد أصولا, وعندما ترتفع هذه الأصول يزيد الإنتاج ويرتفع إجمالي الناتج المحلي, ما يتيح للحكومة الأمريكية فرصة أكبر لمزيد من الاقتراض بهذه الارتفاعات وهكذا، ولقد حققت هذه الخطة في وقتها نجاحات كبيرة خرجت بالولايات المتحدة من الركود الاقتصادي.
في عصر كلينتون بقيت هذه النظرية الريجانية قائمة إلا أنه رفع الضرائب ما جعله يسدد كل القروض وينهي العجز ويحقق فوائض مالية كبرى وصلت إلى نحو 800 مليار دولار عندما ترك الرئاسة لبوش الذي استمر في الريجانية مع تخفيض الضرائب, كما أدخل البلاد في أكثر من حرب خارجية وحملها تكاليف عالية, ما أدى إلى عودة العجز مرة أخرى, حيث من المتوقع أن يصل قريبا إلى أكثر من عشرة تريليونات دولار, وهو يقارب 69 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الأمريكي الحالي.
في عصر الرئيس الأمريكي جورج بوش أصبحت النظرية الريجانية التي أخرجت الاقتصاد الأمريكي من فترة ركود سابقة, غير مجدية لتغير الظروف, حيث يتطلب الوضع تشديد الرقابة والتدخل الحكومي لضبط السوق, وهو ما لم يحصل, حيث قامت البنوك الاستثمارية العالمية بصرف المليارات لتطوير منتجات تمويلية جديدة فنيا وقانونيا لاستخدامها كأدوات للمضاربة بدل التمويل بما يمكنها من تحقيق أرباح مهولة بتوليد المال من المال. ومن أهم وأكبر تلك الأدوات هي الأدوات المرتبطة بالرهن العقاري على اعتبار أنها السوق الكبرى التي تمكنهم من تطوير وتسويق تلك المنتجات التي تم شراؤها من جميع بلدان العالم التي تعاني الأزمة المالية الحالية وتداعياتها.
نتيجة تأثر جميع الدول بهذه الأزمة وتداعياتها هبت جميعا للإسهام في الحل, لكن الخلاف قائم في آليات الحل وكيفية تجنب مثل هذه الاختلالات مستقبلا لنعود إلى الوضع الطبيعي حيث تعمل الأسواق المالية على تمويل الأسواق الإنتاجية بدل تمويل الأسواق المضاربية التي تستغل الأسواق الإنتاجية أسوأ استغلال لتحقيق أرباح كبيرة وسريعة دون قيمة مضافة تذكر, بل تلحق بها أضرارا فتاكة.
ما مستقبل الاقتصاد الحقيقي في ظل هذه الأزمة؟ بكل تأكيد نتيجة لضعف أو ندرة السيولة ونتيجة لضرورة عودة الرقابة المالية الشديدة لتجنب هذا العبث المالي لا بد أن يقل التمويل بنسبة معينة عما هو عليه حاليا وبنسب كبيرة متزايدة وعلى قدر تلك النسبة سيتأثر الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي سلبا وسيتضرر الكل بهذه النسبة. وكلنا أمل أن تسفر الجهود المحلية والدولية لتكون نسبة التأثر أقل ما يمكن، ونحمد الله أننا نعيش في المملكة في ظل وفرة مالية نتيجة مدخرات إيرادات النفط في السنوات القليلة الماضية, وكلنا أمل في قيادتنا أن تقود السفينة إلى بر الأمان, خاصة أنها أعلنت خطتها لصرف 400 مليار دولار على الاستثمارات الرأسمالية في السنوات الخمس المقبلة, وهو إعلان مبشر بالخير الكثير, بإذن الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي