دروس وعبر من الأزمة المالية العالمية (2)

يعتمد النموذج الاقتصادي الأمريكي بدرجة كبيرة على الاقتراض، سواءً على مستوى الأفراد أو المؤسسات أو الحكومات المحلية والمركزية. وقد تجاوز إجمالي الديون الخاصة والعامة ثلاثة أَضعاف الناتج المحلي. وتهدد الأزمة الحالية نموذج الاقتراض المفرط كما يرفضه التفكير المنطقي المتزن. وقد شجع كثرة الاقتراض على التهاون بضرورة الادخار، كما أنه شجع على رفع مستويات الاستهلاك. ومن العبر المهمة التي تمخضت عن الأزمة، ضرورة الحد من مبالغة الشعوب من الاستهلاك على حساب الادخار. فتفضيل الشعوب الاستهلاك على حساب الادخار واللجوء المستمر للاقتراض يهددان بانهيار وإفلاس الكيانات الاقتصادية والأفراد، خصوصاً عند تراجع أسعار الأصول الممولة بقروض. ومن العبر التي تذكرنا بها هذه الأزمة ضرورة تحاشي الاعتقاد بأن أسعار الأصول من أسهم أو سندات أو عقارات أو مواد أولية ستستمر في الارتفاع إلى الأبد، ولهذا ينبغي أخذ الحيطة والتنبه من تراجع أسعار الأصول. وقد حان الوقت لضرورة مراقبة ورصد والتصدي لفقاعات الأصول قبل وقوعها، فقد أدت هذه الفقاعات إلى كوارث اقتصادية مجلجلة خلال العصر الحديث عانتها شعوب العالم لسنوات. ولهذا فعلى واضعي السياسات المالية والنقدية تجنب السياسات التي تدعم تكون فقاعات الأصول، حيث ينبغي تجنب التوسع النقدي أو المالي غير المبرر بنمو حقيقي. فالتوسع النقدي الذي يقود إلى توسع كبير في الائتمان الموجه للمضاربة والمقامرة في الأصول بدلاً من الاستثمار الحقيقي في الاقتصاد الحقيقي يؤدي إلى تكون فقاعات الأصول وتنتج عنه أزمات مالية واقتصادية.
وستؤدي الأزمة المالية الحالية إلى عودة استخدام ووضع القيود على التجارة والاستثمار العالميين وذلك لحماية الأسواق المحلية من المتلاعبين فيها من خارج الحدود وحماية المنتجين المحليين من المنافسة الخارجية. ونجحت تجارب بعض الدول الممارسة للرقابة على الأموال الساخنة مثل ماليزيا والصين في حماية اقتصاداتها من استثمارات المضاربة. وقد تتعرض النظريات التي تحض على تحرير التجارة وتدفقات رأس المال للمراجعة. وفي السابق نجحت سياسة الانغلاق خلال الثلاثينيات في حماية الاتحاد السوفياتي من آثار الكساد الكبير. وكانت معدلات النمو مرتفعة في الاتحاد السوفياتي، بينما كان باقي العالم يعاني أزمة اقتصادية خانقة. ونجح الاتحاد السوفياتي في تحقيق نمو قوي على النقيض من العالم في ذلك الوقت بسبب سياسة إغلاق الأسواق المحلية وسيطرة الحكومة على الاقتصاد ودفعها للنمو. ويبدو هذا الأمر فاعلا في مراحل التنمية الأولية في الدول التي لديها اقتصادات داخلية ضخمة، ولكن استمرار الحكومة في السيطرة على موارد الإنتاج أثبت فشله بعد تعدي المراحل الأولية من التنمية.
وأخرج التدخل الحكومي في الثلاثينيات الاقتصادات الرأسمالية من الكساد. وتعيد الأزمة الأخيرة أهمية التدخل الحكومي، خصوصاً في حالة الأزمات والكوارث الاقتصادية، حيث تبالغ الأسواق في ردة الفعل السلبية عند وقوع الأزمات الاقتصادية، وفي حينها تستطيع الحكومات القيام بدور المؤمن والملاذ الأخير للأسواق. وسيحكم مقدار ورجاحة تدخل الحكومات في الأسواق مدى نجاحها في التصدي لآثار الأزمة الحالية.

ومن المرجح بقوة أن ينتج عن الأزمة تراجع مستويات الإقراض وفرض قيود أكثر عليه وعلى والقطاع المصرفي بصورة عامة. وستتم العودة إلى تبني بعض أنظمة الرقابة المصرفية التي كانت سائدةً في السبعينيات، والتي كانت توفر مستوى جيداً من الاستقرار في النظام المصرفي. وسينتج عن الأزمة ازدياد مستويات التدخل الحكومي في الأسواق المالية وتقنين الأنشطة المالية والحد من مستويات المخاطر المحيطة بالائتمان والاستثمار.
ومن المتوقع أيضاً تراجع ثقة الأفراد بالأسواق المالية والمصارف، ما قد يؤثر سلباً في مستويات الاستثمار في الأسواق المالية. كما أن من المحتمل ازدياد مستويات الادخار في بعض الدول المتقدمة. وسينتج عن خطط إنقاذ الأسواق المالية المزيد من الديون العامة، ما قد يهدد بارتفاع مستويات التضخم بعد انحسار التأثيرات السلبية للأزمة المالية.
وستتم مراجعة بعض النظريات الاقتصادية والتخلي عن بعضها، ولعل أهم ضحايا هذه الأزمة هي نظريات اقتصاديات العرض، التي أتت في عهد الرئيس ريجان في بداية الثمانينيات من القرن العشرين. وتنادي تلك النظريات بتصغير دور الحكومة في إدارة الاقتصاد وبخفض مستويات الضرائب، كما تنادي بضرورة إطلاق العنان لحركة الأسواق وتركها كالثيران الهائجة. وترك السوق لتقوم بما يسمى التدمير الخلاق (الرأسمالية المتوحشة) للمؤسسات الاقتصادية الضعيفة وبقاء القوية في الأسواق.
وستتم مراجعة سياسات إنقاذ المؤسسات المالية والأسواق المالية وستطرح أسئلة عن ضرورة دفع الأسواق المالية واللاعبين فيها لتكاليف الإنقاذ مستقبلاً. وسيتم أيضاً الحد من الأجور والحوافز الخرافية التي يتقاضها كبار التنفيذيين في المؤسسات المالية. وسرعت أجور التنفيذيين العالية من تهاوي بعض المؤسسات المالية، بسبب فقدان تلك الإدارات الإدراك الحقيقي بمستويات المخاطر المحيطة بالائتمان واندفاعهم الجشع لتعظيم الأرباح للحصول على أعظم أجر ممكن.
وستقود هذه الأزمة إلى انخفاض الثقة بالأسواق والمؤسسات الغربية، ما سيؤثر في الاستثمار في هذه الأسواق وقد تستفيد بعض الدول النامية من بقاء هذه الأموال والاستثمارات فيها. ولدى الدول النامية فرصة ذهبية للاستفادة من الأموال المغادرة للأسواق الغربية وذلك من خلال رفع درجات الثقة في بيئات الاستثمار ومكافحة الفساد وتسهيل إجراءات الاستثمار ورفع مستويات الشفافية. وقد ينتج عن الأزمة وبصورة متزايدة التخلي عن الاستثمارات الورقية والاستثمار في الأصول الحقيقية.
ومن التأثيرات المباشرة لهذه الأزمة تراجع مستويات النمو الاقتصادي لفترة من الزمن في الدول المتقدمة، ما سيؤدي إلى تراجع صادرات الدول النامية والصاعدة وتراجع أسعار المواد الأولية وتراجع مستويات النمو في الدول النامية والصاعدة. ولهذا فإن التركيز على تنمية الصادرات لتحفيز النمو ليس كافياً لضمان مستويات مرضية من النمو المستدام. وعلى الدول النامية تشجيع التوجه لتلبية الاستهلاك والاستثمار المحلي بصورة متزايدة وتجنب الاعتماد المفرط على التصدير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي