شفافية الأمير سلمان وجائزة القدوة الحسنة
جاء حفل جائزة سعفة القدوة الحسنة للشفافية والنزاهة الأول الذي أقيم في الثاني عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) كإعلان عن حالة النضج السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه السعودية، والتطلع لآفاق أرحب في تطبيقات قيم الشفافية والنزاهة والعدل والمساءلة. الجائزة في جوهرها تدفع نحو تطوير الوعي بهذه القيم العظيمة التي هي في صميم النظام السياسي، الاقتصادي، والاجتماعي والسعي لتحويلها إلى عمل مؤسسي موثق واضح المعالم يدركه الجميع ويمارس في إطار القانون العام. هناك الكثير من التقاليد العريقة والقيم الراقية في المجتمع التي تمارس بعفوية، وقد حان الوقت أن ترتقي لمستوى الوعي الجماعي وتتبلور في الأذهان بصورة واضحة جلية وتكون رمزا مشتركا للهوية الوطنية. في هذا السياق تكون الجائزة قد نجحت في تهيئة الفرصة ولفت الانتباه إلى أهمية تبني مشروع وطني يجسد هذه القيم ويعرف بها ويضمنها النظم والإجراءات والسياسات العامة وتطبيقها كمعيار في تقويم الأداء وممارسة العمل. الجائزة تتعدى مسألة مَن يحظى بها في اجتماع حاشد يشيد بالمؤسسة الفائزة، ومن ثم ينتهي كل شيء، هي أعظم من ذلك، إنها بحق احتفالية كبيرة لكل المجتمع بجميع مكوناته ومستوياته، بقيم الشفافية والنزاهة والمساءلة على مدار العام واعتراف بأهميتها في الارتقاء بالمجتمع وتعزيز الوحدة الوطنية وتطوير العلاقة المميزة بين الحاكم والمحكوم ولتصبح جزءا من ثقافة العمل والتعامل بين الناس.
رعاية الجائزة من قبل الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض أضافت زخما ودعما كبيرين، وبعثت برسالة تؤكد عزم القيادة السياسية على المضي قدما على طريق الإصلاح والتطوير. وقد عبر عن ذلك الأمير تركي بن عبد الله صاحب المبادرة، رئيس اللجنة التأسيسية للجائزة في كلمته الافتتاحية " ... راعي الحفل يأبى إلا أن يكون في المقدمة من قضايا الأمة الرئيسة ويجعل من نفسه وحضوره أداة خير تلتف حولها الجهود ويحصد بفضلها النجاح ..."، وأضاف "نحن هنا في جمع واحد ممثلين بالدولة في أعلى رموزها وبنخبة من القطاع الأهلي من رجال أعمال وفكر وقلم نبارك ونسعى جميعا إلى نشر الفضيلة في التعاملات كما أمرنا ديننا الحنيف وتقاليدنا الأصيلة." هذا التأكيد على الرؤية الجماعية والمصلحة المشتركة وأننا جميعا في نفس السفينة أمر في غاية الأهمية ونحن نخوض غمار التطوير والتغيير الاجتماعي وإعادة تثقيف المجتمع. وجاءت الكلمة التي ارتجلها الأمير سلمان بهذه المناسبة، لتؤكد هذا التوجه في تناول القضايا العامة. لقد كانت كلمته مفعمة بصدق المشاعر ومنتهى الشفافية وصراحة القول ووضوح الرؤية ، لتلقى صدى واسعا وتبعث الاطمئنان والثقة والأمان في أن القائمين على أمر هذه البلاد يطبقون شرع الله وبه يعدلون، وأنهم يملكون فكرا تنويريا وأفقا واسعا ورؤية مستقبلية تحقق للوطن وحدته وقوته ومنعته وتماسكه. لقد أوضح سموه بجلاء أن انتهاج قيم الشفافية والنزاهة هو من صميم الشريعة الإسلامية وخيار استراتيجي وطني لا مناص منه. حديث الأمير سلمان حديث العارف ببواطن الأمور المتمرس المجرب ذي الخبرة الواسعة التي تمتد لخمسة عقود في العمل الحكومي وإدارة الحكم. خبرة لم تكن أبدا روتينية عادية شكلية ولكن تجارب حافلة بالأحداث الكبيرة، مزدحمة بالقضايا المعقدة، وسعي جاد وحثيث ودائم للتطوير والتغيير عبر مبادرات شجاعة وجريئة أسهمت في صياغة مجتمع متحضر ومتقدم اقتصاديا وعمرانيا واجتماعيا وإداريا. كما أن الرياض العاصمة وتحولها في زمن قياسي إلى مدينة تضاهي كبريات مدن العالم تقف شاهدا لهذه الجهود والمبادرات، إلا أن الأهم فكره الإداري وأسلوبه القيادي الذي يؤسس لنموذج فاعال للإدارة المحلية مبني على التخطيط الاستراتيجي والتعاون والتنسيق بين الأجهزة الحكومية والأداء بشفافية وروح الفريق بحزم والتزام ومحاسبة على النتائج. قد يخفى على الناس كثير من مبادراته وقراراته وجهوده، التي قد لا تؤثر فيهم مباشرة في معيشتهم اليومية، إلا أنها عظيمة الأهمية في تشكيل المناخ العام للمجتمع وقيادته نحو تحقيق التكاتف والتعاون والإنتاجية والانضباط والسلم الاجتماعي. لقد قدم سموه معادلة النجاح في أداء المسؤولية، وهي تقوى الله باستصغار الدنيا وتذكر الآخرة عندما قال "الإنسان منا إذا أصبح مسؤولا عما يهم المواطن وجب عليه قبل كل شيء أن يراعي اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم مهما كانت هذه الدنيا ومهما عظم شأن الإنسان فيها، سيأتي يوم من الأيام سيدفن في قبره ويواجه ما عمل، فلنجعل دنيانا تمهيدا لآخرتنا". إن هذا قمة الحكمة والرشد وذلك مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه والسلم "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت".. الحديث. لقد أشار إلى أن "هذه الدولة والحمد لله تسعى في تشريعاتها المختلفة والمستمدة من الكتاب والسنة على إقامة العدل"، وهو يؤكد بحديثه مبدأ أسس له الملك عبد العزيز، رحمه الله، ومضى عليه أبناؤه الملوك من بعده وهو أن "العدل أساس الحكم". ومن ثم يؤكد على مفهوم في غاية الأهمية، وهو أن على المسؤول معاملة الناس بما يحب أن يعامل به، وما لا يرضاه لنفسه لا يرضاه لغيره. ولفت الانتباه إلى أن "ديننا يأمرنا أن نفكر وأن نعمل وأن نجدد في حدود ما فرضه الله عز وجل وما جاءت به السنة النبوية"، وهي دعوة للتجديد والبحث عن مبادرات وآليات وأساليب تتناسب مع المستجدات والمتغيرات، وعدم الركون للمألوف والاعتماد على ردود الأفعال. لقد أفصح سموه عن حساسية المسؤولية وعظم الأمانة في تولي إدارة الشؤون العامة عندما ذكر في معرض حديثه أن " الملك عبد الله يحملني أكبر مسؤولية عندما يأتيه أحد بشكوى ثم يبعثه حاملا رسالة تقول هذه من ذمتي إلى ذمتك". في ظل هذه الثقافة الشرعية والحرص على أداء الحقوق وتطبيق الأنظمة والإشفاق من الوقوع في الخطأ، لم يكن مستغربا أن يصدر سموه تعميما لجميع محافظات منطقة الرياض ينص على عدم تطبيق الأوامر التي تخالف القرارات الشرعية أو الأنظمة المستمدة منها أو حريات المواطنين أو كرامتهم أو ما يهمهم، حتى وإن كان الأمر صادرا منه أو من نائبه! لا شك أن هذا يأتي بدافع المسؤولية والحرص على الشفافية وإحقاق الحق والعدل والمساواة. وكان أن اختتم كلمته بدعاء ينم عن إيمانه العميق بالعدل والإحسان والتواضع لله "اللهم لا تجعلني ظالما ولا مظلوما ولا شقيا ولا محروما وأخرجني من الدنيا معافى في ديني وفي ذمتي، وأقول اللهم اجز خير من أحسن إليَّ واعف عمن ظلمني".
لقد حرصت على أن أورد بعض ما تحدث به الأمير سلمان، ليس من باب المجاملة، فهو أكبر من ذلك بكثير - على أني كمتخصص في الإدارة العامة لا أنكر إعجابي به كرائد للإدارة المحلية - ولكن حديثه يكتسب أهمية كونه قياديا قويا وشخصية مؤثرة يحمل فكرا مستنيرا ورؤية واضحة وفلسفة تدعو إلى العدل والمساواة، وتبني الشفافية والنزاهة منهجا وسلوكا. كما رغبت في توضيح أن القيم والمفاهيم تتطلب قيادات تؤمن بها وتدعو إليها وتطبقها على أرض الواقع، لأنه من دون قدوة تقود العمل الإصلاحي ستظل هذه القيم مثاليات تعيش في عقول المنظرين وفي وجدان المصلحين الاجتماعيين، فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن! كما قال عثمان رضي الله عنه.