ثرواتنا في البحر الأحمر .. كنز مجهول!
في مقال سابق نشـرته في هذه الصحيفة عن الدور المهم للمملكة إزاء تأمين الملاحة في البحر الأحمر .. اقترحت على حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وعلى جامعة الدول العربية أن يتحركا على وجه السرعة باتجاه عقد مؤتمر عربي يبحث حماية أمن الملاحة الدولية في هذا الممر المائي الدولي المهم الذي يمر منه نحو 30 في المائة من الإنتاج العالمي للنفط، الذي بدأ ينتهك من قبل عصابات تمخر المياه قبالة سواحل جمهورية الصومال .
والواقع أن المملكة العربية السعودية يجب أن تكوم معنية أكثر من أي دولة أخرى بسـلامة مرور السفن في مياه البحر الأحمر، لأنها تحتل مسـاحة كبيرة على طول الساحل الشرقي من العقبة حتى جازان. ولذلك فإن البحر الأحمر يعد ممرا مائيا استراتيجيا للسفن التي تحمل البترول أو السفن التجارية التي توفر للمملكة السلع والخدمات الضرورية لاسـتمرار مشاريع التنمية، يضاف إلى ذلك أن بعض الاكتشافات المبدئية تؤكد أن البحر الأحمر زاخر بالثروات البترولية والمعدنية، كذلك فإن ساحل البحر الأحمر الشرقي يشهد في هذه الأيام أكبر مشاريع لتحلية المياه في العالم، بمعنى أن البحر الأحمر هو المورد المائي الرئيسي لسكان المملكة العربية السعودية، فمنه يعيش الناس وعليه تقوم مشاريع الأمن الغذائي.
أما آخر الاستخدامات لساحل البحر الأحمر، فهو مشروع المسابقات البحرية التي بدأت تنشط في السنتين الأخيرتين في شرم أبحر، وهي من المشاريع الواعدة التي ستضيف إلى السياحة في مدينة جدة بعدا جديدا ينقلها ـ في المستقبل ـ إلى تحقيق تقدم ملحوظ على خريطة السياحة الدولية.
لذلك فإن البحر الأحمر يعد موردا متعدد الثروات، ولكن للأسف ما زلنا نجهل حجم ثرواتنا في البحر الأحمر، وأؤكد أننا في أمسّ الحاجة إلى معرفة حجم الثروات التي نملكها في البحر الأحمر.
وبمعنى آخر، أن البحر الأحمر بالنسبة للمملكة العربية السعودية كنز ما زال مجهولا، وما زلنا في أمس الحاجة إلى اكتشافه، وأزعم أننا إذا كلفنا شركات عالمية بالبحث والتنقيب عن ثرواتنا في قيعان البحر الأحمر، فإننا سوف نكتشف أن الثروة التي نملكها في قاع البحر الأحمر تقدر بمبالغ خيالية .
ولعلي لا أذيع سرا إذا قلت إن في البحر الأحمر وقبالة الساحل السعودي مئات الجزر الطبيعية التي تظهر فوق سطح البحر ثم تختفي بسبب عوامل المد والجزر.
وربما يكون مفاجأة لنا أن نكتشف أن ثرواتنا في البحر الأحمر تتجاوز قيمة ثرواتنا البترولية، ولكن جهلنا به يجعلنا لا نعرف شيئا عن الكنز المدفون.
ولذلك أهيب بوزارة البترول والثروة المعدنية أن تصمم مشاريع لاكتشاف ثرواتنا في البحر الأحمر، كما أهيب بمجلس الشورى الموقر أن يحرك ملف ثرواتنا في البحر الأحمر، وضرورة تأمين البحر الأحمر ووضع نظام لحماية سواحلنا والحرص على توقيع اتفاقيات دولية مع جيراننا في البحر الأحمر لحماية السواحل وتقسيم الثروات، وهذا ما كان يحرص عليه الملك عبد العزيز في بداية تأسيس المملكة، حينما كان يوقع اتفاقيات الحدود مع كل دول الجوار، أيضا أهيب بالجامعات السعودية أن تهتم أكثر بعلوم البحار، وبالذات جامعة الملك عبد العزيز التي أنشأت كلية لعلوم البحار ولكن لم نسمع عن مخرجات هذه الكلية إزاء اكتشاف وتنمية مواردنا في البحر الأحمر والخليج العربي.
إن المطلوب من مؤسسات السياحة أن تتجه إلى تنمية الموارد السياحية على ساحل البحر الأحمر، ونؤكد مرة أخرى أن السواحل السعودية المطلة على البحر الأحمر لا تزال بكرا، ونرجو من شركات التطوير العقاري الكبرى، ومن شركات السياحة الكبرى أن تتجه إلى هذه المنطقة البكر، ففيها كنوز للجذب السياحي، كما تتوافر في ساحل البحر الأحمر ظروف بيئية مثالية تعيش حولها وفى أعماق مياهها الكائنات البحرية من اللافقاريات والأسماك والقشريات والرخويات، كذلك تنتشر على بعض سواحل البحر الأحمر شجيرات المانجروف التي تجذب حولها أنواعاً كثيرة من الطيور، كما تتكاثر بها السلاحف البحرية وأسماك الزينة.
وكذلك نستطيع القول إن المملكة دولة حباها الله سبحانه وتعالى بالخيرات في البر والبحر والجو، ففي البر والبحر البترول ويسكنها إنسان موهوب، وفى الجو تقبع الطاقة الشمسية، وفى البحر ثروات مجهولة تتجاوز كل ما نملك في الجو والبر.
أقول رغم كل هذه الإمكانيات الطبيعية، فإن سواحلنا على البحر الأحمر تخلو من مظاهر الاستغلال السياحي الأمثل، فلا توجد فنادق فارهة ولا تقام عليها الأندية البحرية ولا تنشط رياضات الغوص والمسابقات البحرية، وتبدو السواحل كأنها مهجورة من أي نشاط إنساني.
ونحن نسلم بأن البحر الأحمر هو ممر ملاحي دولي تحكمه معاهدات دولية، ولكن بحكم أنه يقع في قلب العالم العربي، فإن دوله الشاطئية العربية هي المعنية بحمايته من أي مخاطر قد تهدد أمنه، وإذا كان مجلس الأمن قد اتخذ قراراً في أيلول (سبتمبر) 2008 بتشكيل قوات دولية لتأمين الملاحة في البحر الأحمر، فإن هذا لا يمنع أن تتشكل قوة عسكرية عربية مشتركة تحت قيادة المملكة العربية السعودية لحماية سواحل البحر الأحمر وتأمين سلامة الملاحة الدولية في مياهه، ولكن ما نخشاه هو أن نسترخي ولا نقوم بما يجب أن نقوم به لتأمين سلامة وأمن البحر الأحمر، ونترك لقوات دولية أخرى من خارج دول البحر الأحمر تبادر وتسرع في تشكيل قوات عسكرية برية وبحرية وجوية تقوم بحماية الملاحة في البحر الأحمر.
ولذلك فإنني أتمنى على حكومة خادم الحرمين الشريفين التشاور العاجل مع جامعة الدول العربية لتنفيذ إجراءات عاجلة لحماية الملاحة في البحر الأحمر أولاً، ووضع خطة استراتيجية لاكتشاف كنوز البحر الأحمر ثانياً .. وثالثاً ... ورابعاً ...... .